البقرة · الآية 224

﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ

اليَمينُ المُعَطِّلةُ لِلخَير: مَوقِعُ المُشكِلة

الآيةُ تَرسُمُ مَوقِفاً نَفسيّاً اجتِماعيّاً مُحَدَّداً: إنسانٌ يَحلِفُ باللهِ على تَركِ بِرٍّ أو على الامتِناعِ من إصلاحٍ بَينَ مُتَخاصِمَين، ثُمَّ يَتَمَسَّكُ بِيَمينِه بِدَعوى تَعظيمِ اسمِ الله، فيُنصَبُ اسمُ اللهِ في هذا التَّركيبِ حاجِزاً أمامَ ما كانَ يَنبَغي فِعلُه.

والآيةُ تَكشِفُ المَغالَطةَ في هذا المَوقِف، واليَمينُ في أصلِها تَوكيدٌ لِصِدقٍ أو تَثبيتٌ لِعَزم، وليسَت وَسيلةً لِتَعطيلِ الفَضائِل، ومَن حَلَفَ على تَعطيلِ البِرِّ ثُمَّ تَمَسَّكَ بِيَمينِه يَكونُ قد استَعمَلَ اسمَ اللهِ ضِدَّ مَقاصِدِ الشَّرعِ نَفسِه.

(ج ع ل) + (ع ر ض): نَصبُ اسمِ اللهِ في طَريقِ الخَير

وأمّا المَعنى الدَّقيقُ لِلآيةِ فأصلُ (ج ع ل) فيه وَضعُ الشَّيءِ في مَوضِعٍ لم يَكُن فيه أصلاً، و(ع ر ض) في جِذرِها ما كانَ في عَرضِ الطَّريق، ويُقالُ «اعتَرَضَ الشَّيءُ سَبيلَه» إذا وَقَعَ في طَريقِه فمَنَعَه.

وتَركيبُ «عُرضةً لأَيمانِكُم» صورةٌ لُغَويّةٌ عَميقة، واسمُ اللهِ حَقُّه أن يَكونَ غايةً أو مَرجِعاً، لا أن يُنصَبَ عارِضاً في طَريقِ الخَير. ومَن حَلَفَ «واللهِ لا أبَرُّ أبي» جَعَلَ اسمَ اللهِ سَوطاً يَضرِبُ بِه خَيراً كانَ يَنبَغي عَلَيه فِعلُه، وفي هذا قَلبٌ لِمَواقِعِ الأشياء.

(ي م ن): اليَمينُ تَوكيدٌ لا قَفَصٌ لِلنَّفس

وأصلُ (ي م ن) القُوّةُ والبَرَكة، يُقالُ «اليُمن» لِلبَرَكة، و«اليَمين» لِلجِهةِ القَويّة، و«اليَمين» في القَسَمِ لأنَّ ما يُقسَمُ عَلَيه يُعقَدُ بِالجانِبِ الَّذي يَشُدُّ ويُمسِك.

واليَمينُ في وَظيفَتِها الأصليّةِ تَوكيدُ عَزمٍ على الخَيرِ أو على دَفعِ الباطِل، وليسَت أداةَ حَبسٍ لِلنَّفسِ عَن الفَضيلة، فمَن حَوَّلَها إلى قَفَصٍ حَرَمَها مَعناها، وأساءَ استِخدامَ اسمِ اللهِ في طَريقٍ لم تُوضَعْ لَه.

(ب ر ر) + (و ق ي) + (ص ل ح): ثَلاثَةُ أركانٍ لا تُعَطَّلُ بِيَمين

وقد عَدَّدَ النَّصُّ ثَلاثةَ مَقاصِدَ لا يَجوزُ أن تُسَدَّ بِيَمين: «أن تَبَرُّوا وتَتَّقوا وتُصلِحوا بَينَ النّاس». ومَدارُ (ب ر ر) على الاتِّساعِ والامتِداد، ومِنه «البَرّ» لِلأرضِ الواسِعة، فسُمِّيَ البِرُّ بِذلك لِسَعَتِه وامتِدادِ أثَرِه في حَياةِ النّاس.

و(و ق ي) في أصلِها الحِمايةُ مِن أذى، فالتَّقوى حِمايةُ الإنسانِ لِعَلاقَتِه مَعَ اللهِ ومَعَ النّاسِ مِن الانزِياح. ومادّةُ (ص ل ح) ضَبطُ الأمرِ على قَوامِه، فالإصلاحُ بَينَ النّاسِ إعادةُ العَلاقاتِ إلى تَوازُنِها.

وذِكرُ هذه الأركانِ الثَّلاثةِ بِعَينِها مَقصود: البِرُّ هو الجانِبُ المُمتَدُّ في العَلاقةِ مَعَ الأهلِ والقَرابة، والتَّقوى هي الجانِبُ العَموديُّ في العَلاقةِ مَعَ الله، والإصلاحُ هو الجانِبُ الأُفُقيُّ في العَلاقةِ مَعَ النّاس، فلا يَجوزُ أن يُسَدَّ واحِدٌ مِن هذه الأبوابِ الثَّلاثةِ بِاسمِ الله.

القاعِدةُ العامَّة: المَقاصِدُ تَسبِقُ النَّذرَ الحَرفيّ

والآيةُ تُؤَسِّسُ قاعِدةً فِقهيّةً أوسَعَ مِمّا يَبدو لِأوَّلِ وَهلة، والشَّرعُ بُنِيَ على مَقاصِد، والنُّصوصُ التَّشريعيّةُ تَخدِمُ هذه المَقاصِد، فحينَ يَتَعارَضُ لَفظٌ جامِدٌ مَعَ مَقصِدٍ مَركَزيٍّ يُقَدَّمُ المَقصِد. واليَمينُ الَّتي يَحلِفُها المَرءُ بِلِسانِه لا تَرتَفِعُ فَوقَ بِنيةِ الشَّرعِ كُلِّها.

وهذا المَنهَجُ يَنسَحِبُ على كُلِّ حَلِفٍ يَقَعُ في تَعارُضٍ مَعَ البِرِّ والتَّقوى والإصلاح، كأن يَحلِفَ الإنسانُ على قَطيعةِ رَحِم، أو على تَركِ صُلحٍ بَينَ مُتَخاصِمَين، أو على الامتِناعِ مِن إنفاقٍ واجِب، فجَميعُ هذه الأيمانِ تَقَعُ تَحتَ قاعِدةِ النَّصّ: يَحنَثُ ويُكَفِّر.

(س م ع) + (ع ل م): الرَّقابةُ الَّتي تَمنَعُ التَّحايُل

وخاتِمةُ الآيةِ «واللهُ سَميعٌ عَليم»، وأصلُ (س م ع) إدراكُ الصَّوتِ الخارِجيّ، و(ع ل م) إدراكُ ما وَراءَه، والخاتِمةُ تَجمَعُ الرَّقابَتَين: سَمعَ الكَلِمةِ المَلفوظة، وعِلمَ النِّيّةِ الَّتي تَحتَها.

وهذا الاقتِرانُ يَقطَعُ طَريقَ التَّحايُلِ بِصِيَغِ اليَمين، ولا يَنفَعُ أن يَحلِفَ الإنسانُ بِلِسانِه يَميناً ويُخفي في قَلبِه نِيّةَ التَّعطيل، والسَّمعُ يَلحَقُ النُّطق، والعِلمُ يَلحَقُ النِّيّة، فمَجالُ التَّلاعُبِ بِاسمِ اللهِ غَيرُ مَفتوح.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: فـ«العُرضة» اسمٌ لِمَوقِعٍ في عَرضِ الطَّريقِ يَصُدُّ المارَّ لا لِمَرجِعٍ عالٍ، و«اليَمين» اسمٌ لِتَوكيدٍ يَخدِمُ الخَيرَ لا لِقَفَصٍ يَحبِسُ النَّفسَ عَنه، و«البِرُّ والتَّقوى والإصلاح» ثَلاثةُ مَقاصِدَ بُنيَويّةٍ لا تُقَدَّمُ عَلَيها أيمانٌ جامِدة، و«السَّميعُ العَليم» اسمانِ يُغلِقانِ بابَ التَّحايُلِ على اسمِ الله. فمَن جَعَلَ اللهَ عُرضةً لِيَمينِه أساءَ تَرتيبَ المَقامات، وحَوَّلَ ما وُضِعَ لِلخَيرِ إلى صادٍّ عَنه.


حَصيلة

تَنهى الآيةُ عَن مَغالَطةٍ اجتِماعيّةٍ شائِعة، وهي نَصبُ اسمِ اللهِ حاجِزاً أمامَ البِرِّ بِاسمِ الوَفاءِ بِالقَسَم. وجِذرُ ج-ع-ل في «تَجعَلوا» وَضعُ الشَّيءِ في مَوضِعٍ لم يَكُن فيه أصلاً، وجِذرُ ع-ر-ض في «عُرضةً» اسمٌ لِما يُعتَرَضُ في الطَّريقِ فيَصُدُّ المارّة. والصّورةُ الَّتي يَرسُمُها النَّصُّ أنَّ مَن حَلَفَ باللهِ ألّا يَصِلَ أخاه أو ألّا يُصلِحَ بَينَ مُتَخاصِمَينِ ثُمَّ تَمَسَّكَ بِيَمينِه قد نَصَبَ اسمَ اللهِ عارِضاً في طَريقِ الخَير، لا مَرجِعاً لَه. وجِذرُ ي-م-ن في «أيمانِكُم» يَحمِلُ في أصلِه اليُمنَ والقُوّةَ والبَرَكة، فاليَمينُ تَوكيدُ عَزمٍ على خَيرٍ لا أداةُ حَبسٍ عَنه. والنَّصُّ يُقَرِّرُ أنَّ ثَلاثةَ مَقاصِدَ لا تُسَدُّ بِيَمين، ولا يُسقِطُ القَسَمَ نَفسَه: ب-ر-ر في «تَبَرُّوا» اتِّساعُ أثَرٍ يَمتَدُّ في العَلاقاتِ الأُسَريّة، وو-ق-ي في «تَتَّقوا» حِمايةُ العَلاقةِ مَعَ اللهِ مِن الانزِياح، وص-ل-ح في «تُصلِحوا» إعادةُ التَّوازُنِ الأُفُقيِّ بَينَ النّاس. وتَختِمُ بِاسمَينِ مُتَكامِلَين: وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، فجِذرُ س-م-ع يَلحَقُ النُّطق، وجِذرُ ع-ل-م يَلحَقُ النِّيّةَ تَحتَه، فلا مَجالَ لِلتَّحايُلِ بِصِيَغِ القَسَم. وهذه الآيةُ مَعَ التّالِيةِ تَبني مِعيارَ الشَّريعةِ كُلَّه في بابِ الأيمان: المَقاصِدُ تَسبِقُ النَّذرَ الحَرفيّ.