طه · الآية 58

﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ مَكَانًا سُوًى﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ مَكَانًا سُوًى

«فَلَنَأْتِيَنَّكَ»: ثَلاثةُ رُبُطٍ حَولَ الفِعل

وفيما قَبلَ الفِعلِ وما بَعدَه فاءٌ تُعَقِّبُ الاتِّهام، ولامٌ واقِعةٌ في جَوابِ القَسَم، ونونٌ ثَقيلةٌ في آخِرِه، فهي ثَلاثُ أدَواتٍ تُوثِقُ فِعلاً واحِداً.

ولم يُوثَقْ بَعدُ شَيءٌ من الشُّروط، فلا مَوعِدَ ولا مَكانَ ولا زَمان، وأوَّلُ ما يَفعَلُه أن يَربِطَ نَفسَه، ثُمَّ يَلتَفِتُ ليَطلُبَ التَّرتيب.

والضَّميرُ «نَا» ما زالَ جارِياً كما جَرى في الآيةِ قَبلَها، فهو يَتَّهِمُ بِلِسانِ جَماعةٍ ويُعارِضُ بِلِسانِ جَماعة.

«بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ»: الاسمُ الذي رَمى بِه يُسَمّي بِه نَفسَه

قالَ في الآيةِ التي قَبلَها بِسِحْرِكَ﴾، ويَقولُ هُنا «بِسِحْرٍ»، فاللَّفظُ الذي جَعَلَه تُهمةً صارَ في الآيةِ التّالِيةِ وَعداً يَعِدُ بِه.

وبَينَ اللَّفظَينِ فَرقٌ في التَّعريف، فالأوَّلُ مُعَرَّفٌ بِالإضافةِ إلى صاحِبِه: «سِحرُكَ»، مُلصَقٌ بِه مَنسوبٌ إلَيه، والثّاني نَكِرة: «سِحرٍ»، بِلا إضافةٍ ولا نِسبة، فهو يُعَرِّفُ ما عِندَ غَيرِه ويُنَكِّرُ ما عِندَه.

ثُمَّ «مِّثْلِهِ»، والمُماثَلةُ دَعوى تُقالُ قَبلَ المَوعِدِ لا بَعدَه، وقد آثَرَ «مِثلَه» على «أشَدَّ منه» و«أعظَم». ومَن طَلَبَ مَوعِداً ليُثبِتَ المُماثَلةَ فقد أعلَنَ المُماثَلةَ قَبلَ أن يَحضُر.

«فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا»: يَطلُبُ ويُسَلِّمُ التَّعيينَ لِغَيرِه

ثُمَّ فاءٌ ثانِيةٌ بَعدَها فِعلُ أمر، والأمرُ مُوَجَّهٌ إلى المُتَّهَمِ نَفسِه: أنتَ فاجعَلْ، فقد طَلَبَ المُواجَهةَ ثُمَّ وَضَعَ تَقديرَها في يَدِ خَصمِه.

و«بَيْنَ» مَذكورةٌ مَرَّتَينِ لا مَرّة: «بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ»، وكانَ يَكفي «بَينَنا»، فأُعيدَ الظَّرفُ لِكُلِّ طَرَفٍ على حِدَة، وبِذلك تُذكَرُ الجِهَتانِ مَفصولَتَينِ في لَفظِ مَوعِدٍ يَجمَعُهُما.

و«مَوْعِدًا» نَكِرة، وأصلُ و-ع-د وَصلٌ يَلتَحِمُ بِالباطِنِ ثُمَّ يَثبُتُ في صورةِ التِزام، فالمَوعِدُ عَقدٌ يَنعَقِدُ في الجَوفِ قَبلَ أن يَظهَرَ في الأرض، ولِذلك يُوصَفُ بَعدَه بِما يَحفَظُه لا بِما يَصِفُه.

«لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ»: أن تَترُكَ المَوضِعَ خالِياً

ومادّةُ خ-ل-ف فَراغٌ يَبقى بَعدَ مُفارِقٍ ويُنتَظَرُ مَن يَحُلُّ فيه، فمَعنى «أخلَفَ المَوعِدَ» أن يَبقى مَوضِعُه خالِياً في وَقتِه.

فالمَنفِيُّ خَواءٌ في المَوضِع، وليسَ كَذِباً في القَول، والمَوعِدُ في هذا اللَّفظِ مَكانٌ يُملَأُ أو يَبقى فارِغاً، والوَفاءُ حُضورٌ يَسُدُّ الفَراغ.

ثُمَّ الضَّميرانِ المُنفَصِلان: «نَحْنُ وَلَا أَنتَ»، وكانَ في الفِعلِ ضَميرٌ مُستَتِر، فأُعيدَ الطَّرَفانِ ظاهِرَينِ ليُذكَرَ كُلٌّ بِاسمِه، وقَدَّمَ نَفسَه.

«مَكَانًا سُوًى»: آخِرُ ما يَطلُبُه مَكان

وخُتِمَ الطَّلَبُ بِمَنصوبٍ نَكِرة: «مَكَانًا»، فالذي يَطلُبُه في آخِرِ كَلامِه أرضٌ يُوقَفُ عَلَيها، لا ساعةٌ يُنتَظَرُ فيها، وسَيَأتي الجَوابُ في الآيةِ التّالِيةِ بِغَيرِ ما طُلِب.

و«سُوًى» من س-و-ي، ومَعناه ضَبطُ الشَّيءِ على مِقدارِه بِلا نَقصٍ ولا زِيادة، فالمَطلوبُ أرضٌ لا تُرَجِّحُ جانِباً على جانِب، أي مِقدارٌ مُستَوٍ بَينَ الطَّرَفَين.

وهذا الجَذرُ بِعَينِه هو جَذرُ الفِعلِ في الآيةِ الخامِسةِ من هذه السّورة: اسْتَوَىٰ﴾، ويُلاحَظُ أنَّه يَعودُ هُنا في فَمِ الطّالِبِ وَصفاً لِأرض، ولا يُبنى على هذا العَودِ شَيءٌ في المَوضِعِ الأوَّل، فهُما لَفظانِ من مادّةٍ واحِدةٍ في مَقامَينِ لا يَجمَعُهُما إلّا المادّة.


حَصيلة

ثَلاثُ أدَواتِ تَوثيقٍ على فِعلٍ واحِدٍ قَبلَ أن يُذكَرَ شَرطٌ واحِد: يَربِطُ نَفسَه أوَّلاً ثُمَّ يَلتَفِتُ إلى التَّرتيب. واللَّفظُ الذي رَمى بِه في الآيةِ قَبلَها يُسَمّي بِه ما سَيَأتي بِه هُنا، مُعَرَّفاً هُناكَ بِالإضافةِ إلى صاحِبِه ومُنَكَّراً هُنا بِلا نِسبة، ومَوصوفاً بِالمُماثَلةِ قَبلَ أن يَقَعَ اللِّقاء. ثُمَّ يَأمُرُ خَصمَه أن يَجعَلَ المَوعِد، فيَطلُبُ المُواجَهةَ ويُسَلِّمُ تَقديرَها إلى مَن يُواجِهُه، ويُعيدُ الظَّرفَ لِكُلِّ طَرَفٍ على حِدَةٍ في لَفظٍ يَجمَعُهُما. ومادّةُ المَوعِدِ وَصلٌ يَلتَحِمُ في الباطِنِ ثُمَّ يَثبُت، ومادّةُ الإخلافِ فَراغٌ يَبقى بَعدَ مُفارِق، فالمَنفِيُّ خَواءُ المَوضِعِ لا كَذِبُ اللِّسان، والوَفاءُ حُضورٌ يَسُدُّ الفَراغ. ثُمَّ يُعادُ الطَّرَفانِ ضَميرَينِ مُنفَصِلَينِ ويُقَدِّمُ نَفسَه. ويُختَمُ الطَّلَبُ بِأرضٍ نَكِرةٍ مَوصوفةٍ بِمِقدارٍ مُستَوٍ لا يُرَجِّحُ جانِباً على جانِب، وهي من مادّةِ الفِعلِ في الآيةِ الخامِسةِ من هذه السّورة، تُلاحَظُ ولا يُبنى عَلَيها هُناكَ شَيء. وقد طَلَبَ أرضاً مُستَوِيةً، وسَيُعطى ساعةً لا تُخفي شَيئاً.