البقرة · الآية 117

﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ وَإِذَا قَضَىٰ أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ

(ب د ع)+«بَديع»: ظُهورٌ أَوَّلٌ بِلا مِثال

«بَديع» من (ب د ع): ظُهورٌ (ب) أَوَّل (د) يَخرُجُ من عُمق (ع). الاسمُ يُفيدُ أنَّ السَّماواتِ والأَرضَ صَدَرَت صَنعَةً أولى، لا نُسَخاً من مِثالٍ مَوجود. أُؤَكِّدُ أنَّ هَذِهِ الدَّلالَةَ تَقطَعُ أيَّ سَلسَلَةِ تَوارُث في أصلِ الكَون: لا أَبَ لِلكَون، ولا أصلَ سابِقَه. ومَن لا يَكونُ الإبداعُ صيغَةَ فِعلِه، لا تُنسَبُ إلَيه وِلادَةٌ ولا تَوريث. فالوَصفُ «بَديع» بَدائلٌ قاطِعٌ لِلوَصفِ «والِد».

(ق ض ي)+«قَضى أَمراً»: الحَسمُ السّابِقُ لِلتَّنفيذ

«قَضى» من (ق ض ي) = حَسَمَ الأَمرَ وأَنهاه. فالإرادَةُ السابِقَةُ على الكَلِمَةِ مَحسومَةٌ لا مُتَحَرِّكَة. ليسَ هُنا تَدَبُّرٌ بَينَ رَأيَين ولا مَشورَةٌ مَعَ شَريك. ومَن قَضى وَحدَه قَبلَ أن يُصَدِّرَ الأَمرَ، لا يَحتاجُ إلى مَشيرٍ ولا إلى وَزير. فَينتَفي المَلِكُ-الأَب الذي يَرِثُه ابنٌ يُساعِدُ في الحُكم: المَشهَدُ كُلُّه فيهِ فاعِلٌ واحِد.

«كُن فَيَكون»: الكَلِمَةُ الواحِدَةُ بَينَ الإرادَةِ والوُجود

الفاصِلَةُ بَينَ الأَمرِ والكائنِ كَلِمَةٌ مُفرَدَة. أُلاحِظُ أنَّ «فَيَكون» بِالفاءِ تَفيدُ التَّعقيبَ المُباشِر بِلا مُهلَة. فلا مادَّةٌ تُنتَظَر، ولا أَدَواتٌ تُجَهَّز. والبُنيَةُ تَضرِبُ كُلَّ نَموذَجٍ وَسيطٍ بَينَ المَصدَرِ والمَفعول: لا ابنٌ يُنَفِّذ، ولا مَلَكٌ يَتَوَسَّط، ولا قانونُ طَبيعَةٍ يَستَقِلُّ بِالقَرار. كُلُّ وَسيطٍ يُتَخَيَّلُ يُعيدُ المَصدَرَ إلى مَنطِقِ البَشَر، وهَذا نَفسُ خَطَأ مَقولَةِ الوَلَد. الآيَةُ إذن لا تَسقُطُ هُنا مُنفَصِلَةً، بَل امتِداداً لِنَقضِ 116.

رَبطُ 116 بِـ117: من نَقضِ الأُبُوَّةِ إلى تَقديمِ الإبداع

أَقرأُ الآيَتَينِ مَعاً كَخَطَّين مُتَواصِلَين. الأُولى قالَت: العَلاقَةُ ليسَت أُبُوَّةً بَل مِلكِيَّة. الثَّانيَةُ تُضيف: والخَلقُ ليسَ وِلادَةً بَل إبداعٌ وأَمرٌ. فَالأُولى تُسقِطُ نَموذَجَ القَرابَةِ البَيولوجيّة، والثَّانيَةُ تُعَوِّضُ عَنه بِنَموذَجِ الإنشاءِ بِالأَمر. وبِهَذا يَنبَني الرَّدُّ كامِلاً: نَفيٌ لِنَموذَجٍ خاطِئ، ثُمَّ تَقديمٌ لِلنَّموذَجِ الصَّحيحِ في مَوضِعِه.

فَالبَديعُ يَنفي المِثالَ السّابِق، والقَضاءُ يَسبِقُ التَّنفيذَ بِلا مَشورَة، و«كُن فَيَكون» يُسقِطُ الوَسيطَ بَينَ الإرادَةِ والوُجود، والآيَةُ كُلُّها تَكمِلَةٌ لِنَفيِ الوَلَدِ بِتَقديمِ بَديلِه البُنيَويّ.


حَصيلة

جاءَت هَذِهِ الآيَةُ بَعدَ 116 امتِداداً لِلرَّدِّ لا انفِصالاً عَنه: بَعدَ أن نُقِضَ نَموذَجُ الأُبُوَّةِ ووُضِعَت المِلكِيَّةُ والوَظيفَةُ مَكانَها، جاءَ الدَّليلُ البُنيَويُّ على أنَّ الخَلقَ نَفسَه لا يَقبَلُ مَنطِقَ الوِلادَة. مِن جِذرِ ب-د-ع «بَديع» ظُهورٌ أوَّلٌ من العُمقِ بِلا نَموذَجٍ سابِق؛ فالسَّماواتُ والأَرضُ لَم تَصدُر من مادَّةٍ قَديمَةٍ ولا من قالِبٍ جاهِز، ولا من أبٍ سابِقٍ يُوَرِّثُ. وهَذا الوَصفُ قاطِعٌ لِأيِّ سَلسَلَةِ تَوارُث في أصلِ الكَون. ثمَّ مِن جِذرِ ق-ض-ي «قَضى أَمراً»: حَسمٌ نافِذٌ ثابِتٌ يَسبِقُ التَّنفيذَ ويَسري إليه بِلا مَشورَةٍ ولا مُستَشار، فالمَشهَدُ فيه فاعِلٌ واحِدٌ لا شَريكَ لَه. وبَينَ الحَسمِ والوُجودِ كَلِمَةٌ مُفرَدَة: «كُن» مِن جِذرِ ك-و-ن تَحَقُّقٌ مُتَّصِلٌ يَنفُذُ إلى الباطِنِ فَيَصيرُ وُجوداً مُستَقِلّاً، والفاءُ في «فَيَكون» تَفيدُ التَّعقيبَ المُباشِرَ بِلا مُهلَةٍ ولا مادَّةٍ وسَطيَّة. فكُلُّ نَموذَجٍ وَسيطٍ بَينَ المَصدَرِ والمَفعولِ يُسقِطُه هَذا البِناء؛ البَديعُ يَنفي المِثالَ السّابِق، والقَضاءُ يَنفي المَشورَة، و«كُن فَيَكون» يَنفي الوَسيط، والآيَةُ تَقديمٌ لِنَموذَجِ الإبداعِ والأمرِ بَدِيلاً لِنَموذَجِ الوَلَدِ الذي نُقِضَ قَبلَها.