البقرة · الآية 116

﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۖ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا ۗ سُبْحَانَهُ ۖ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ

جذرا (أ خ ذ) و(و ل د): مَنطِقُ التَّوارُثِ البَشَريِّ يُقحَمُ في المَصدَر

«اتَّخَذَ» من (أ خ ذ)، ومَعناه صَيَّرَ الشَّيءَ إلَيه مُتَمَلِّكاً، وهو فِعلٌ يَفتَرِضُ فاعِلاً يَحتاجُ إلى المَأخوذ. و«وَلَداً» من (و ل د)، وهو امتِدادٌ جينِيٌّ بَيولوجِيٌّ يَلتَصِقُ بِالوالِدِ في نَسَبٍ واحتِباسٍ ضِمنَ جِنسِه. والمَقولةُ تُسقِطُ مَنطِقَ التَّكاثُرِ البَشَرِيِّ، من حاجةِ الاستِمرارِ والتَّوريثِ وامتِدادِ الذّات، على مَصدَرٍ لا يَخضَعُ لِجِنسٍ ولا لِمَوتٍ ولا لِتَوَقُّف. فالخَلَلُ أوَّلاً لُغَوِيٌّ قَبلَ أن يَكونَ عَقَدِيّاً: كَلِمةُ «وَلَد» لا تَحتَمِلُ مَصدَراً، ومَن أطلَقَها عَلَيه أخرَجَها من وَضعِها.

جذر (س ب ح) في «سُبْحَانَه»: تَنزيهٌ بِالفِعلِ لا بِالشِّعار

و«سُبحانَه» من (س ب ح)، وأصلُه اندِفاعٌ مُستَرسِلٌ في مَجالٍ واسِعٍ بِلا عَوائِق، كسِباحةِ السَّمَكِ في الماءِ وسَبحِ الكَواكِبِ في الفَلَك. والتَّنزيهُ هُنا تَحريكٌ لِلتَّصَوُّرِ بَعيداً عن مَنطِقِ التَّوَقُّفِ في الوَلَدِ والمِلكِ الجُزئِيّ، وليسَ لَفظَ احتِرامٍ ثابِتاً. و«سُبحانَه» تَنقُلُ السّامِعَ من صورةِ الأبِ الذي يَرِثُ ابنُه عَنه إلى صورةِ المَصدَرِ الجاري الذي لا يَحتاجُ إلى وارِث.

«بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ»: الإضرابُ إلى مِلكٍ بَدَلَ نَسَب

و«بَل» إضرابٌ يَنقُلُ الحُكمَ من الباطِلِ إلى الحَقّ، والصَّوابُ أنَّ الرّابِطةَ بَينَه وبَينَ الكَونِ رابِطةُ مِلك، وليسَت رابِطةَ نَسَب. و«ما في السَّماواتِ والأرض» يَشمَلُ كُلَّ مَوجودٍ من مَلائِكةٍ وإنسٍ وحَجَر، وكُلُّه داخِلٌ في المِلكِ لا في النَّسَب. والنَّسَبُ يَفتَرِضُ تَشاكُلَ الجِنس، والمِلكُ يَفتَرِضُ تَمايُزَ الرَّبِّ عن مَملوكِه.

جذر (ق ن ت) في «قَانِتُون»: وُقوفٌ في وَظيفَةٍ مُتَّصِلَة

و«قانِتُون» من (ق ن ت)، وهو نَفاذٌ في العُمقِ (قن) مَقطوعٌ بِدِقّة (ت). والقُنوتُ وُقوفٌ مُتَّصِلٌ في وَظيفةٍ مُعَيَّنةٍ لا يَنحَرِفُ عَنها، ولا يُقتَصَرُ فيه على الخُضوعِ والسُّجود: الشَّجَرةُ قانِتةٌ في وَظيفةِ الشَّجَر، والنَّجمُ قانِتٌ في وَظيفةِ النَّجم. فالآيةُ تَستَبدِلُ عَلاقةَ الأبِ والابنِ بِعَلاقةِ المالِكِ بِالقائِمِ في وَظيفَتِه: الكَونُ مَجالُ وَظائِفَ قائِمةٍ بِأمرِه، وليسَ سُلالةً لِلمَصدَر.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: «الوَلَدُ» امتِدادٌ جينِيٌّ لا يَقبَلُه المُطلَق، و«سُبحانَه» تَنزيهٌ بِإجراءِ المَصدَرِ بَعيداً عن مَنطِقِ التَّوَقُّفِ والنَّسَب، و«بَل لَهُ ما في السَّماواتِ والأَرض» يُبَدِّلُ صورةَ النَّسَبِ بِصورةِ المِلك، و«قانِتُون» يَضَعُ كُلَّ مَوجودٍ في وَظيفَتِه لا في سُلالَتِه.


حَصيلة

وفي مَقولةِ «اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً» مُشكِلَتانِ لُغَوِيَّتانِ قَبلَ أن تَكونا عَقَدِيَّتَين: فـ«اتَّخَذَ» من جِذرِ أ-خ-ذ يَفتَرِضُ فاعِلاً يَحتاجُ إلى ما أخَذَه، و«الوَلَدُ» من جِذرِ و-ل-د امتِدادٌ جينِيٌّ يَحتَبِسُ ضِمنَ جِنسٍ ويَفتَرِضُ تَكاثُراً، وكِلاهُما مَنطِقٌ بَشَرِيٌّ لا يَنطَبِقُ على مَصدَرٍ لا يَخضَعُ لِجِنسٍ ولا لِمَوت. فجاءَ الرَّدُّ بِـ«سُبحانَه» من جِذرِ س-ب-ح، وهو اندِفاعٌ مُستَرسِلٌ يَنقُلُ التَّصَوُّرَ بَعيداً عن صورةِ الأبِ الذي يَرِثُ عَنه ابنُه إلى صورةِ مَصدَرٍ جارٍ لا يَحتاجُ إلى وارِث. ثُمَّ يُستَبدَلُ نَموذَجُ النَّسَبِ بِنَموذَجِ المِلكِيّةِ والوَظيفة: «بَل لَهُ ما في السَّماوات والأَرض» يُعَرِّفُ العَلاقةَ تَعريفاً صَحيحاً، و«قانِتُون» من جِذرِ ق-ن-ت يَصِفُ كُلَّ مَوجودٍ بِأنَّه يَقِفُ في وَظيفَتِه المُعَيَّنةِ لا يَنحَرِفُ عَنها: الشَّجَرةُ قانِتةٌ في وَظيفةِ الشَّجَر، والنَّجمُ قانِتٌ في وَظيفةِ النَّجم. فالكَونُ مَيدانُ وَظائِفَ قائِمةٍ لا سُلالةُ نَسَب، والمَصدَرُ مالِكٌ لا والِد.