البقرة · الآية 119

﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۖ وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا ۖ وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ

جذر (ر س ل) في «أَرْسَلْنَاكَ»: إطلاقٌ مُسَرَّحٌ في مَجالِ السَّامِعين

«أرسَلنا» من (ر س ل)، وهو سَرَيانٌ مُستَرسِلٌ دَقيقٌ (رس) يَتَعَلَّقُ بِمُتَلَقٍّ (ل). والفِعلُ يَحمِلُ مَعنى الإطلاقِ في مَجالٍ لا يَملِكُه المُرسِل: الرِّسالةُ تَسيرُ في أرضٍ بَشَرِيّةٍ يَختارُ أهلُها القَبولَ أو الرَّفض. ولِذلك تَقَدَّمَت «أرسَلنا» على «بَشيراً ونَذيراً»: أوَّلاً إطلاقُ الرِّسالةِ في المَجال، ثُمَّ تَحديدُ وَظيفَتِها داخِلَه.

«بِالْحَقِّ»: المَضمونُ مُواجِهٌ لِباطِلِ «الذين لا يَعلَمون»

وجاءَت «بِالحَقّ» بَعدَ آيةِ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مُباشَرةً، وهذا تَرتيبٌ دَلالِيّ: الذينَ طَلَبوا خِطاباً شَخصِيّاً كانوا يَتَكَلَّمونَ بِباطِل (وَلَدٌ، إله، شَفيعٌ ذاتِيّ)، والرِّسالةُ جاءَت بِمَضمونٍ مُطابِقٍ لِلواقِع، لا بِصياغةٍ تُرضي الطّالِب. فالحَقُّ هُنا يَقينٌ مَوضوعِيٌّ لا مُجامَلةٌ اجتِماعِيّة.

جذرا (ب ش ر) و(ن ذ ر) في «بَشِيرًا وَنَذِيرًا»: ظُهورٌ مُنتَشِرٌ ونَفاذٌ حادّ

و«بَشيرٌ» من (ب ش ر)، وهو خَبَرٌ يَظهَرُ (ب) ويَنتَشِرُ (ش) ويَستَرسِل (ر)، ومن الجِذرِ نَفسِه «البَشَرةُ»، أي الجِلدُ الذي يُظهِرُ ما تَحتَه، والبِشارةُ خَبَرٌ يَبرُزُ أثَرُه على وَجهِ سامِعِه. و«نَذيرٌ» من (ن ذ ر)، وهو نَفاذٌ حادٌّ (نذ) يَستَرسِل (ر) في قَلبِ السّامِعِ لِيُنَبِّهَه إلى ما قد يَأتي. فالجَمعُ بَينَ الوَظيفَتَينِ يَنقُلُ خَريطةً كامِلةً لِلمَسار: أثَرُ السُّلوكِ الصّالِحِ يَنتَشِر، وخَطَرُ السُّلوكِ المُنحَرِفِ يَنفُذ، ومَن خَسِرَ بَعدَ هذه الخَريطةِ لا حُجّةَ لَه.

«وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ»: فَصلُ مَسؤوليَّةِ الحامِلِ عن المُستَقبِل

و«تُسأَلُ» مَبنِيٌّ لِلمَجهول، ولا جِهةَ تُحاسِبُ الرَّسولَ على اختِيارِ المُعرِضين. والآيةُ تُقيمُ مَبدَأً بُنيَوِيّاً في العَلاقةِ بَينَ المُرسِلِ والمُستَقبِل، هو أنَّ الرِّسالةَ أمانةٌ في الإيصال، لا ضَمانٌ لِلاستِجابة. ومَن حَمَّلَ حامِلَ الرِّسالةِ نَتيجةَ رَفضِ السّامِعِ خَلَطَ بَينَ دَورَينِ مُنفَصِلَين: دَورِ البَيانِ ودَورِ الاختِيار، وهذه قاعِدةٌ تَنطَبِقُ على كُلِّ حامِلِ دَعوةٍ يُقابِلُه إعراضٌ في مَجالِه.

قاعِدَةٌ في قِراءَةِ الخِطابِ لِلأنبياء: الخِطابُ بِالجَمالِ مَهما ظَهَرَ الجَلال

وقَولُه وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ وأمثالُه في القُرآنِ ليسَ تَهديداً حَقيقِيّاً لِلمُرسَلِ بِالحَقّ، فهو هادٍ مَهدِيٌّ أصلاً ومَعصومٌ من اتِّباعِ الهَوى، والخِطابُ بِظاهِرِه لِلمُخاطَبِ وبِباطِنِه لِلأُمّةِ السّامِعة، على طَريقةِ «إيّاكِ أعني واسمَعي يا جارة». وكُلُّ خِطابٍ بَينَ المَصدَرِ وخَواصِّه يُقرَأُ بِالإكرامِ لا بِالعَتَبِ المُهين، لأنَّ الأكرَمَ لا يُهينُ مَنِ اصطَفاهُم.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: «أرسَلنا» إطلاقُ الرِّسالةِ في مَجالٍ لا يَملِكُه المُرسِل، و«بِالحَقّ» مَضمونٌ مُواجِهٌ لِلباطِل، و«بَشيرٌ» ظُهورٌ يَنتَشِر، و«نَذيرٌ» نَفاذٌ حادٌّ يُنَبِّه، و«لا تُسأَل» يَفصِلُ دَورَ الحامِلِ عن دَورِ المُستَقبِل، والخِطابُ مَعَ الأنبياءِ يُقرَأُ بِالجَمالِ دائِماً.


حَصيلة

«أرسَلنا» من جِذرِ ر-س-ل إطلاقٌ لِسَرَيانٍ دَقيقٍ في مَجالٍ لا يَملِكُه المُرسِل، والرِّسالةُ تَسيرُ في أرضٍ بَشَرِيّةٍ يَختارُ أهلُها القَبولَ أو الرَّفض. وقد جاءَت «بِالحَقّ» مُواجِهةً لِباطِلِ مَن طَلَبَ خِطاباً شَخصِيّاً: المَضمونُ مُطابِقٌ لِلواقِعِ لا مُصاغٌ لِإرضاءِ الطّالِب. ثُمَّ تَنقَسِمُ وَظيفةُ الحامِلِ إلى شَقَّين: «بَشيرٌ» من جِذرِ ب-ش-ر، وهو ظُهورٌ يَنتَشِرُ ويَستَرسِل، وخَبَرٌ يَبرُزُ أثَرُه على وَجهِ سامِعِه، و«نَذيرٌ» من جِذرِ ن-ذ-ر، وهو نَفاذٌ حادٌّ يَستَرسِلُ في القَلبِ ويُنَبِّهُ لِما قد يَأتي. وبِهذَينِ الشَّقَّينِ تَتِمُّ الخَريطة: أثَرُ السُّلوكِ الصّالِحِ يَنتَشِر، وخَطَرُ السُّلوكِ المُنحَرِفِ يَنفُذ. وبَعدَ اكتِمالِ الخَريطةِ جاءَ الفَصلُ البُنيَوِيّ: «لا تُسأَلُ عن أصحابِ الجَحيم»، والأصحابُ من جِذرِ ص-ح-ب رابِطةٌ صُلبةٌ لا تَنفَكّ، فمَنِ ارتَبَطَ بِالجَحيمِ رابِطةً صُلبةً حُسِبَت عَلَيه لا على مَن أَرسَلَ إلَيه. والقاعِدةُ تَتَجاوَزُ هذا الخِطابَ إلى كُلِّ حامِلِ دَعوةٍ يُقابِلُه إعراضٌ في مَجالِه: الدَّورُ بَيانٌ ونِذارة، والاختِيارُ لِلسّامِع.