البقرة · الآية 169

﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّمَا يَأْمُرُكُم بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ

إِنَّمَا يَأْمُرُكُم: «إنَّما» حصرٌ مركّب، والمضارعُ للاستمرارِ، وجذر (أ م ر) الإصدارُ بقوّة

الآيةُ بيانٌ تفصيليٌّ لقوله السابق «إنَّه لكم عدوٌّ مُبين» في 168، وتُفتَتَحُ بـ«إنَّما»، وهي أداةُ حصرٍ مركّبةٌ من «إنَّ» التوكيديّة و«ما» الكافّة، تَدخُلُ على الجملة فتَقصُرُ مَعناها على ما بعدها، أي لا يَأمُرُكم بشيءٍ إلّا هذه الثلاثة. وهذا الحَصرُ يَضَعُ حدّاً لكُلِّ سؤالٍ عن نوعِ الأمر: مهما تَنَوَّعَت خَطَواتُ الشيطان فغايتُها لا تَخرُجُ عن هذه الأصناف. وفعل «يَأمُر» مضارعٌ يُفيدُ الاستمرار، أي أمرٌ يَتَجَدَّدُ في كُلِّ لحظةٍ يَتَوَقَّفُ فيها الإنسانُ على خَطوة، وليس أمراً صَدَرَ مرّةً ثمَّ انتَهى. ومادّةُ (أ م ر) تُفيدُ إصدارَ الكلمةِ بقوّةٍ تَفرِضُ الاستجابة، فالأمرُ دَفعٌ قَهريٌّ مَنوطٌ بمَن يَستَقبِلُه، وليس اقتراحاً. واللافتُ أنَّ الشيطانَ في هذه الآية يَأمُرُ ولا يَفعَل، والسُّلطةُ الحقيقيّةُ في استجابةِ السامع، وليست في يَدِه، فإن رَفَضَ الأمرَ سَقَط، وإن امتَثَلَ صارَ عَدُوُّه يَعمَلُ بجوارحه.

بِالسُّوءِ: باءُ التعدية، وجذر (س و أ) السَّريانُ المُحيط

والباءُ في «بالسوء» باءُ التعدية مع فعل «يَأمُر»، وبها يَنتَقِلُ الأمرُ إلى مَأمورٍ به محدَّد. وجذر (س و أ) يَجمَعُ السين (امتداد وسَيَلان) والواو (وَصل ورَبط) والهمزة (تأكيد وقَطع)، والسُّوءُ حرفيّاً سَيَلانٌ يُحيطُ مؤكَّد، أي أذىً يَسري في صاحبه فيُحيطُه ثمَّ يَتَأَكَّد. فالسُّوءُ حالةٌ تَنتَشِرُ في نَسيج الحياة وتَأخُذُ طابَعاً مُستَقِرّاً، وليس لحظةَ إساءةٍ عابرة. ومَجيءُ «السوء» أوّلَ المراتبِ في الحَصر مقصود: هو المرتبةُ الدنيا التي يَبدأُ بها التَّوَرُّط، مرتبةُ ما يُسيءُ ولا يُعرَفُ قُبحُه بَعد. فالشيطانُ يَبدأ بما هو «سُوء» فحسب، أي عَرَضٌ مكروهٌ غيرَ أنّه دون الحدّ، لا يَصِلُ بعدُ إلى الإعلان. وهذا يُوائِمُ صيغةَ «الخُطوات» في 168: السوءُ هو الخطوةُ الأولى، غيرُ الصارخة.

وَالْفَحْشَاءِ: جذر (ف ح ش) الانفلاتُ الصارخُ المنتشر، وصيغةُ فَعلاء للاستقرار

وعطفُ «الفحشاء» على «السوء» بالواوِ تَدَرُّجٌ لا ترادف. فجذر (ف ح ش) يَجمَعُ الفاء (تفريق ونَفاذ) والحاء (حياةٌ حارّةٌ واحتواء) والشين (انتشار وتفرّق)، والفحشُ حرفيّاً انفلاتٌ نافِذٌ يَنتَشِر، أي تجاوزٌ بيِّنٌ لا يَقبَلُ التخفية. والصيغةُ على وزنِ فَعلاء (كالحَمراء والصَّحراء) تُفيدُ الثباتَ واللزوم، فالفحشاءُ صفةٌ مُستَقِرّة، وليست فِعلاً لحظيّاً. فالسوءُ مَرحلةٌ قابلةٌ للتراجع لأنَّها تَحتَفِظُ بشيءٍ من السترة، والفحشاءُ مَرحلةٌ تاليةٌ لا سترةَ فيها. فالمعاصي في الاستعمال الشرعيّ تَنقَسِمُ في هذه الآية بحسبِ العَلَن: «السوء» ما لم يَبلُغ الإعلان، و«الفحشاء» ما تَجاوَزَ إلى العَلَن وصار صَفَتُه الانفلاتَ المنتشر، والترتيبُ تَصاعديّ من الأقلِّ ظهوراً إلى الأكثرِ إعلاناً.

وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ: «أن» المصدريّة، «على» في غير موضعها، والموصولةُ لنفي العلم

و«أن تقولوا» مصدرٌ مؤوَّلٌ معطوفٌ على المصادر الصريحة قبلَه، فـ«أن + الفعل المضارع» يُؤَوَّلُ بمصدر: «وقولِكم». وهذا العطفُ يَكشِفُ أنَّ «القولَ على الله بلا علم» في مَنزِلةِ السوءِ والفحشاء، وهو في ذِروَتِهما. واللافتُ استعمالُ حرف «على» دون «عَن»، لأنَّ «قال عنه» حكايةٌ محايدة، أمّا «قال عليه» فإنَّ «على» ظرفُ استعلاءٍ يُفيدُ التَّعَدّي والافتراء، ومن قال «على الله» فقد وَضَعَ نفسَه فوقَ الله يَنسِبُ إليه ما لا يَرضاه. ثمّ جاءَ الموصولُ «ما» مع صِلَتِه النافية «لا تعلمون»، وأوثِرَ فيها لفظُ الخطاب «لا تعلمون» على لفظِ الغَيبة «لا يعلمون». والتحوّلُ من فاعلٍ غائبٍ في «يَأمرُكم» إلى فاعلٍ مخاطَبٍ في «لا تعلمون» يُدخِلُ السامعَ طرفاً في المسؤوليّة. و«تعلمون» مضارعٌ من (ع ل م) يُفيدُ العلمَ المستقرَّ في النفس، لا مَظنّةً ولا تقليداً. فالقولُ على الله بما لا يَستَقِرُّ في النفسِ عِلماً هو الذروةُ التي يَصِلُ إليها الشيطان، وهي دَفعٌ إلى تَحريفِ الشريعةِ ذاتِها، زيادةً على الإغراءِ بالفعل.

التدرّجُ من الفعل إلى الكلمة إلى الدين: ذروةُ الأمر الشيطاني

والترتيبُ في الآية تَصاعديٌّ دقيق: سُوءٌ (فِعلٌ مَستور)، ثمَّ فَحشاءٌ (فِعلٌ مُعلَن)، ثمَّ قَولٌ على الله بلا عِلم (تَشريعٌ مُفتَرى). والتَّصاعُدُ من الفِعلِ الذاتيّ إلى الكلمةِ الجَماعيّةِ ثمَّ إلى الدينِ المُفتَرى يَكشِفُ استراتيجيّةَ الإفسادِ كاملةً: المرحلةُ الأولى تُفسِدُ الفردَ في سلوكه، والثانيةُ تُفسِدُ الجماعةَ بإعلانِ الانفلات، والثالثةُ تُفسِدُ المرجعيّةَ نفسَها فلا يَبقى معيارٌ يُصَحَّحُ عليه الانحراف. ومَن وَصَلَ بالناس إلى القولِ على الله بلا علمٍ فقد أحرَزَ أقصى ما يَستَطيعُ الشيطان، لأنَّ أيَّ معصيةٍ بعدَ ذلك ستَكونُ مَحمولةً على تأويلٍ دينيّ، فيَعسُرُ الرُّجوع. وبهذا يُفهَمُ وَضعُ القرآنِ تحريمَ القولِ على الله بلا علمٍ في موضعِ الذروةِ من تعريفِ العداوةِ الشيطانيّة.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: فـ«إنّما» حَصرٌ يُصَنِّفُ كُلَّ أمرٍ شيطانيٍّ في ثلاثٍ لا رابعَ لها، و«السوء» سريانٌ مُحيطٌ غيرُ مُعلَن، و«الفحشاء» انفلاتٌ صارخٌ ثابتٌ بصيغةِ فَعلاء، و«القول على الله» افتراءٌ بِحَرفِ الاستعلاء، و«ما لا تعلمون» حكمٌ لم يَستَقِرَّ علماً في النَّفس. فذروةُ العداوةِ في كلمةٍ تَلبَسُ ثَوبَ الحقّ ولم تَصدُر منه، لا في فِعلٍ مُعلَنٍ يُستَقبَح.


حَصيلة

الآيةُ بيانٌ تَفصيليٌّ لِعَداوَةِ الشَّيطانِ المُعلَنَةِ في الآيَةِ السابِقَة، تَحصُرُ مَضامينَ أوامِرِه في ثَلاثٍ لا رابِعَ لها. الأوَّلُ بِالسُّوءِ﴾، وهو سريانٌ مُحيطٌ (س-و-أ) غيرُ مُعلَنٍ بَعد، أي الخُطوَةُ الأُولى الصَّامِتَة. والثاني وَالْفَحْشَاءِ﴾، وهو الانفِلاتُ الصّارِخُ المُنتَشِرُ (ف-ح-ش) على وزنِ فَعلاءَ للدَّوامِ والثَّبات، أي أنَّ التَّجاوُزَ صارَ صِفَةً لا لَحظَة. والثالِثُ هو الذُّروَة: وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. وحرفُ «على» الاستِعلاءُ كاشِف: «قال عليه» افتِراءٌ على خِلافِ «قال عَنه» حِكايَةً محايِدَة، والمُفتَري يَضَعُ نَفسَه فَوقَ المَصدَرِ يَنسُبُ إليه ما لَم يُصدِرْه. والتَّرتيبُ تَصاعُدِيٌّ من الفِعلِ الذَّاتيِّ إلى الكَلِمَةِ الجَماعِيَّةِ إلى التَّحريفِ الدِّيني، ومَن يُوصِلُ النّاسَ إلى القَولِ على اللهِ بلا عِلمٍ قد أَحرَزَ أَقصى ما يَستَطيعُ الشَّيطان، إذ تَصيرُ كُلُّ مَعصِيَةٍ لاحِقَةٍ مَحمولَةً على تَأويلٍ دينيٍّ فَيَعسُرُ الرُّجوع.