البقرة · الآية 170

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ۗ أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ

وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ: «إذا» ظرف للمستقبل المحقّق + «قيل» مبنيٌّ للمجهول + افتعال (ا ت ب ع) + (ن ز ل) من علوّ

و«إذا» ظرفيّةٌ شرطيّةٌ لا تُستعمل إلّا لما هو واقعٌ لا محالة، بخلاف «إنْ» التي تُستعمل للممكن المشكوك فيه. فالتعبير وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ يُقرّر أنّ دعوتهم إلى اتّباع ما أنزل الله حادثةٌ متكرّرةٌ واقعة، وليست احتمالاً يُنتظَر. والفعل «قيل» مبنيٌّ للمجهول لأنّ القضيّة في صِحّة ما يُبلَّغ دون هويّة المُبلِّغ: الحقُّ يصل إليهم من أيّ منفذ كان، فلا عذر في ادّعاء جهل المصدر. واللام في «لَهُمْ» للاختصاص، أي أنّ الخطاب موجَّه إليهم بأعيانهم لا إلى غيرهم. والفعل «اتَّبِعوا» على وزن افتعال في جذر (ت ب ع)، وصيغة الافتعال في العربيّة تدلّ على تكلّف الفعل واستجماع الإرادة عليه، لأنّ الاتّباع قرارٌ مقصود يُكلِّف صاحبَه اختياراً واعياً، وليس سيراً عفويّاً خلف السابق. وأمّا «أَنزَلَ» فمن (ن ز ل)، والنواة فيها حركةٌ من علوٍّ إلى أدنى، والفعل متعدٍّ إلى مفعول محذوف تقديره «كلامَه» أو «وحيَه». فاجتماع هذه الأدوات يُحكم الحجّة عليهم: واقعةٌ مؤكّدة، ومُبلَّغ معلوم، وفعلٌ مكلَّف به، ومصدرٌ من علوّ لا يُنازَع.

قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا: «بَل» للإضراب القاطع + مضارع الاستمرار + (ل ف و) الوجدان العَرَضيّ

و«بَلْ» حرف إضرابٍ يُبطل ما قبله إبطالاً قاطعاً، ويُثبت ما بعده ثبوتاً جازماً. فجوابهم رفضٌ بتّيّ يُقابِل الأمرَ المُحكم بمثله في الحسم، وليس تردّداً ولا طلبَ مهلة. والمضارع «نَتَّبِعُ» على وزن افتعال كسابقه، يُظهر التماثُل الصيغيّ بين الأمر اتَّبِعُوا والردّ نَتَّبِعُ: طُلب منهم اتّباعٌ مُكلَّف، فأجابوا باتّباعٍ مُكلَّف مُضادّ. والفعل مضارعٌ يدلّ على الاستمرار لا على لحظةٍ عابرة، أي أنّ هذا نهجُهم الراسخ، وليس موقفاً ظرفيّاً. والكلمةُ المحوريّة «أَلْفَيْنَا» من جذر (ل ف و/ي)، ونواتُه تفيد الوجدان العَرَضيّ بلا طلبٍ ولا بحث: يُقال «ألفيتُ الشيء» أي صادفتُه جاهزاً دون أن أقصدَه. فبناءُ الحجّة على «ألفينا» اعترافٌ ضمنيّ بأنّهم صادفوا موروثَهم فتبنَّوه، ولم يختاروه ولم يختبروه. وهذا هو التضادّ الحقيقيّ في الآية: «أَنزَلَ» مصدرٌ مقصود من علوّ، و«أَلْفَينا» وجدانٌ عارضٌ بلا مصدر.

عَلَيْهِ آبَاءَنَا: «على» للتمكّن + الآباء موضعٌ لا فاعل

وحرف الجرّ «على» يُفيد الاستعلاء والتمكّن، والمعنى هنا أنّ الآباء كانوا «على» هذا الموروث بمعنى الاستقرار فوقه لا الفعل فيه. وهذه أدقّ نقطةٍ تكشفها الآية: الآباءُ في نظر الأبناء موضعٌ للموروث، وليسوا مصدرين له ولا مختبرين، وقد صاروا أرضاً يرتكز عليها الموروث، لا عقولاً صنعتْه. وبهذا يُفهَم مجيءُ الفعل «ألفينا» متعدّياً بـ«على» دون «في»: وجدوا الموروث عليهم، أي متّكئاً عليهم كحملٍ موروث من جيلٍ سابق، ولم يجدوه في نفوس آبائهم، أي عن يقين وتمحيص. والنتيجة أنّ سلسلة التلقّي عمياء من أعلاها إلى أدناها، وكلّ جيلٍ موضعٌ لما استقرّ عليه، غيرُ فاعلٍ فيه.

أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا: استفهام إنكاريّ مركّب + (ع ق ل) ربطٌ لا ذكاء + «شيئاً» تنكير الاستغراق

وأَوَلَوْ تركيبٌ ثلاثيّ الدلالة: الهمزة للاستفهام الإنكاريّ، والواو عاطفةٌ على محذوفٍ تقديره «أتتّبعونهم ولو كان آباؤهم...»، و«لَوْ» امتناعيّةٌ في أصلها، غيرَ أنّها هنا معلّقةٌ بالإنكار فتصير استنكاراً لفرضٍ قائم، والمعنى: أيَفعلون ذلك حتّى لو ثبت أنّ آباءهم لم يكونوا يعقلون؟ و«كَانَ» فعل الدوام في الماضي، يَنقل الإنكار من لحظةٍ عابرة إلى حالٍ مستقرّ: السؤال عن أن يكونوا في أصلهم قوماً غير عاقلين، وليس عن غفلةٍ عَرَضت للآباء مرّة. وجذر (ع ق ل) تقدّم تفصيله في الآية 164: النواة (ع ق) بُروزٌ من العُمق مُحكَم، واللام حركة ربط، فـ«يعقلون» أي يربطون الأشياء بعضها ببعض بِحبلٍ من فَهم. والعقل في القرآن قدرةٌ على ربط المُشاهَد بالمنزَل وربط الظاهر بالعِلّة، وليس ذكاءً مجرّداً. وتنكير «شَيْئًا» في سياق النفي يُفيد الاستغراق، أي لا شيءَ مهما صغر يربطونه، فالإنكار يتناول انعدامَ أصل الربط، لا ضعفَ العقل.

وَلَا يَهْتَدُونَ: افتعال (هـ د ي) السعي للاتّصال بالمسار + نفيٌ مزدوج يُفرغ الأهليّة من طرفَيها

و«يَهْتَدُونَ» على وزن افتعال في جذر (هـ د ي)، وصيغة الافتعال هنا تُفيد التكلّف والسعي، أي أنّ الاهتداء مسارٌ يتطلّب قدراً من المبادرة الداخليّة، وليس شيئاً يُلقى عليهم من الخارج. وجذر (هـ د ي) تقدّم في آيات سابقة (2، 157): النواة (ه د) تفريغٌ لما كان محتبساً، والياء اتّصالٌ وامتداد، فالاهتداء في تركيبه الجذريّ تفريغٌ للحواجز واتّصالٌ بالمسار. والنفي المضارع «لا يَهتَدون» يُثبت استمرار هذا العطل، أي انعداماً دائماً للسعي والاتّصال، وليس مَنعاً ظرفيّاً. وبانضمام النفيين «لا يعقلون» و«لا يهتدون» تتحقّق الحجّة من طرفَيها: لا ربطَ داخليّ بين الأشياء، ولا اتّصالَ خارجيّ بمسارٍ يقود إلى حقّ، فالداخل مُبعثَر، والخارج مُنقطع. ومن اتّبع قوماً جمعوا هذين العجزين فقد اتّبع عجزاً مضاعفاً لا موروثاً نافعاً.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة. و«الأب» دورٌ بقدر ما يَعقِل الأبُ ويَهتدي، وليس مصطلحَ تقديسٍ تلقائيّ؛ فإنْ عَقَل ورَبَط وأوصَل، استحقّ أن يُقتَدى به في قدر ما عَقَل، وإنْ لم يَعقل شيئاً ولم يصلْ، سقطَ الدَّورُ ولو بقيَ الاسم.


حَصيلة

تَفضَحُ الآيةُ آلِيَّةَ التَّقليدِ في صِيغَةِ سَمعٍ ورَدٍّ مُتَكَرِّر: وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾. والفعلُ «أَلفَينا» (ل-ف-ي) يَحمِلُ اعتِرافاً ضِمنِيّاً بأنَّ الموروثَ صُودِفَ جاهِزاً ولَم يُختَر ولَم يُختَبَر، في مُقابِلِ «أَنزَلَ» الذي يَحمِلُ قَصداً من عُلوّ. والتَّضادُّ الحقيقيُّ بينَ التَّعبيرَين هو تَضادُّ المَصدَرِ المَقصودِ من عُلوٍّ والوُجدانِ العارِضِ بلا مَصدَر. ثمَّ يَقطَعُ القرآنُ بالسُّؤالِ الإنكارِيّ المُركَّب: أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾. والنَّفيانِ يُفرِغانِ الأهلِيَّةَ من طَرَفَيها: «لا يَعقِلون» يَنفي الرَّبطَ الدّاخِليَّ بينَ الأشياءِ (ع-ق-ل: الحَبلُ الرّابِط)، و«لا يَهتَدون» يَنفي الاتِّصالَ الخارِجيَّ بمَسارٍ صَحيح، ومَن وَرِثَ قَوماً جَمَعوا العَجزَين وَرِثَ خَطَأً مُضاعَفاً. والآيةُ تَنهى عَن الإرثِ دونَ فَحصٍ بِالعَقلِ الرّابِط، ولا تَنهى عن الإرثِ نَفسِه: الأبُ دَورٌ بِقَدرِ ما عَقَلَ وأَوصَل، فإن سَقَطَ الدَّورُ سَقَطَ مَعه حَقُّ التَّأسّي.