البقرة · الآية 168

﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ

يَا أَيُّهَا النَّاسُ: نداءٌ بأدواتٍ ثلاثيّة، وخطابٌ كونيٌّ بعد مشهد الأنداد

والنداءُ هنا يَستَعمِلُ ثلاثَ أدواتٍ متراكبة: «يا» حرفُ النداء للبعيد لفظاً المُقَرَّبِ تنبيهاً، ثمّ «أيّ» اسمٌ مُبهَمٌ يُعَيَّنُ بما بعدَه، ثمّ «ها» حرفُ تنبيهٍ تَشُدُّ السامعَ إلى الإصغاء. ولم يُكتَفَ بقَول «يا ناس» لأنَّ المَقامَ يَقتَضي ترتيباً تَصاعديّاً في الانتباه: «يا» يَستَقطِبُ السمع، و«أيّ» تَفتَحُ المجهولَ ليُحَدَّد، و«ها» تُشيرُ إلى الجهةِ المقصودة. واختيارُ «الناس» بدَل «المؤمنين» أو «بني آدم» أو «أهل الكتاب» مقصود، فالمشهدُ السابقُ (الأنداد والتبرّؤ والكَرّة والنار) كان كشفاً كونيّاً لكُلِّ مَن اتَّخَذَ نِدّاً، ومُخاطَبةُ «الناس» هنا تَمتَدُّ بالدائرةِ نفسِها، أي أنّ كُلَّ بشريٍّ مشمولٌ بالخطاب، لا فئةٌ بعينها. والانتقالُ من مشهدِ العذابِ إلى أمرٍ بالأكل يُفيدُ الرَّحمة: الإنذارُ السابقُ انتَهى، والأمرُ بما يُقيمُ الحياةَ يَبدأ.

كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ: الأصلُ الإباحة، و«مِن» التبعيضيّة تَرفَعُ الحَرَج

وجاء الأمرُ بفعلِ «كُلوا» صيغةَ أمرٍ مطلقة، والأمرُ بَعدَ الحَظرِ يُفيدُ الإباحة، أمّا الأمرُ المبتدأ على الأصل فيُفيدُ الإباحةَ الوضعيّةَ بلا تشديد. والمقصودُ هنا الثاني، أي أنّ الأكلَ مُباحٌ وضعاً، والأصلُ فيه الإطلاق. و«مِن» في «مِمّا في الأرض» تبعيضيّة، والمرادُ بعضُ ما في الأرضِ لا كُلُّه، وهذا التقييدُ يَحفَظُ الأصلَ الإباحيّ مع التنبيهِ إلى أنَّ الكمالَ في الانتقاءِ دون الاستيعاب. و«في الأرض» ظرفُ مكانٍ موسَّع، يَعُمُّ الأرضَ كُلَّها لا أرضاً بعينها، وتلك مَيزةٌ ثانية للخطابِ الكونيّ: الرزقُ مَبثوثٌ في الأرضِ كُلِّها. واللافتُ أنَّ الأصلَ الوضعيَّ في الشريعةِ يُعَلَّمُ هنا في آيةٍ موجَّهةٍ للناسِ كافّة: الأصلُ إباحة، والحَظرُ استثناء.

حَلَالًا طَيِّبًا: حالان مُزدَوجان، (ح ل ل) الإطلاقُ الحكميّ و(ط ي ب) الإحاطةُ الحسّيّة

و«حلالاً» حالٌ منصوبةٌ من المفعولِ المحذوف («ما»)، و«طيّباً» حالٌ ثانية، ومَجيءُ الحالَين متتابعَين يُفيدُ أنَّ الأمرَ بالأكل مشروطٌ بشرطَين لا بشرطٍ واحد. فجذر (ح ل ل) يُفيدُ فكَّ العُقدة: حَلَّ الحبلَ أي أطلقَه من الرَّبط، فالحلالُ ما أُطلِقَ حُكماً من عُقدةِ المنعِ الشرعيّ. وأمّا (ط ي ب) فيُفيدُ الإحاطةَ الحسّيّةَ المُطَمئِنَّة، والطيبُ ما يَسكُنُ إليه الطبعُ ويَقبَلُه الحسّ. فالحلالُ وصفٌ في الميزانِ الشرعيّ، والطيبُ وصفٌ في الأثر الحسّيّ والغذائيّ. وقد يُوجَدُ حلالٌ غيرُ طيّب (مباحٌ يَضُرُّ بالجسد في حالٍ خاصّة)، ويُوجَدُ طيّبٌ غيرُ حلال (مُستَساغٌ ولكن مَصدَرُه حرام)، فالآيةُ تَجمَعُ الوصفَين اشتراطاً. والترتيبُ دقيق: الحلالُ أوّلاً لأنَّ الحكمَ يَسبِقُ الحسّ، ثمّ الطيبُ لأنَّ الحكمَ المجرَّدَ بلا رعايةٍ للأثرِ الحسّيّ يَفتَحُ بابَ الإسراف.

وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ: افتعالُ التَّكَلُّف، وجذر (خ ط و) الحركةُ الصغيرةُ المتتابعة

والانتقالُ بالواوِ من الأمرِ إلى النهي يَكشِفُ أنَّ مَحَلَّ الضَّلالِ المسارُ الموازي الذي يَدُسُّه الشيطانُ بجوار الأكلِ المُباح، وليس الأكلَ ذاتَه. وفعل «تَتَّبِعوا» على بابِ افتعال (ت ب ع) يُفيدُ التكلّفَ والاختيار، فالاتّباعُ عَمَلٌ يَتَطَلَّبُ إرادةً، وليس انجرافاً عَرَضيّاً. فالنهيُ هنا يَطلُبُ من السامع أن يَكُفَّ عن الاختيارِ الإراديّ للاتّباع، وليس المطلوبُ به الحَذَرَ من الوقوع. و«خُطُوات» جمعُ خَطوة من جذر (خ ط و)، وهي المسافةُ بين القدَمَين عند المشي، والخَطوةُ وحدةٌ صغيرةٌ ليست قَفزةً ولا جَرياً. فالشيطانُ يَطلُبُ خَطواتٍ متتالية، كُلُّ واحدةٍ منها لا تَستَحِقُّ التَّوَقُّفَ عندها، ولا يَطلُبُ خَطيئةً كبرى. والإضافةُ «خطوات الشيطان» تَدُلُّ على أنَّ الخطواتِ مَسبوكةٌ بخطّةٍ غيرُ عَشوائيّة. ومادّةُ (ش ط ن) التي اشتُقَّت منها كلمةُ «الشيطان» تُفيدُ البُعدَ والطُّول: شَطَنَ الحبلُ طالَ وبَعُد، والشيطانُ حبلٌ بعيدٌ يَمتَدُّ من نقطةِ البدايةِ المألوفة حتّى يَصِلَ إلى هاويةٍ لم يَتَصَوَّرها السائر.

إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ: إنَّ التوكيد، لامُ الاختصاص، فَعُولُ المبالغة، واسمُ فاعلٍ مُبيِّنٌ لنفسه

و«إنَّ» أداةُ توكيدٍ تُصَدِّرُ الجملةَ لتَقطَعَ أيَّ تردّدٍ في تَصنيفِ الشيطان. ومَجيءُ اللام في «لكم» تَعجيلٌ للبيان: قبلَ أن يُذكَرَ الخبر يُذكَرُ المُنتَفِعون بالخبر، وهي لامُ اختصاص، أي أنّ الشيطانَ خَصَّكم بالعداوة دون العالمِ كُلِّه. و«عَدُوّ» على وزنِ فَعُول، وهو من أوزان المبالغة في اللغة، فالعَدُوُّ مَن لَزِمَتهُ العداوةُ صفةً لازمة، وليس من يَعتَدي أحياناً. و«مُبين» اسمُ فاعلٍ من «أبانَ» على وزنِ أَفعَل، ومعناه المتعدّي: مَن أوضَحَ نفسَه وكَشَفَها لا من هو واضحٌ بذاته. فالوصفُ يُفيدُ أنَّ الشيطانَ كَشَفَ عداوتَه بنفسه ولم يُخفِها: من يَومِ السجودِ لآدم رَفَضَ صراحةً، ومن يومِ الخروج قالَ بوضوح إنَّه سيُزيِّنُ ويُضِلّ. فلا عُذرَ للسائرِ في خطواتِه في أن يَدَّعيَ الجَهلَ بمقاصده، والعداوةُ مُعلَنةٌ منذ البدء.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: فـ«الحلال» وصفٌ لما أُطلِقَ من عُقدةِ المنع، زيادةً على أنّه ضدُّ الحرام، و«الطيّب» ما يَسكُنُ إليه الطبع بإحاطةٍ لا تُؤذي، وليس اللذيذ، و«الخطوات» حركاتٌ صغيرةٌ متَتابعةٌ مسبوكةٌ بخطّة، غيرُ ذنوبٍ كبرى، و«الشيطان» حبلٌ بعيدٌ ممتدّ، و«العَدُوّ المُبين» عَدُوٌّ أبانَ نفسَه بنفسه لا نَعتَذِرُ بعده بجهل. فالوقايةُ في الحَذَرِ من الخَطوةِ الصغيرةِ الأولى، وليست في اجتنابِ خَطيئةٍ ضَخمة.


حَصيلة

تَنتَقِلُ الآيةُ من مَشهَدِ العَذابِ إلى أمرٍ يُقيمُ الحَياةَ اليَوميَّة، وهذا الانتِقالُ رَحمَةٌ في حدِّ ذاتِه. والخِطابُ لِلنّاسِ عُموماً لا لِفِئَةٍ بِعَينِها: يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾. والأصلُ في الشَّريعَةِ الإباحَة، والتَّحريمُ استِثناء، و«مِن» التَّبعيضِيَّةُ تُجيزُ الانتِقاءَ حَسَبَ الحاجَة، ولا تُلزِمُ باستِيعابِ كُلِّ ما أذِنَ الله فيه. والحالانِ مُزدَوِجانِ بِشَرطَينِ مُتَكامِلَين: حَلالٌ (ح-ل-ل) فَكُّ العُقدَةِ الحُكمِيَّة، وطَيِّبٌ (ط-ي-ب) الإحاطَةُ الحِسِّيَّةُ المُطمَئِنَّة، لأنَّ حَلالاً بلا طَيِّبٍ يَفتَحُ بابَ الإسراف، وطَيِّباً بلا حَلالٍ يَعني الأصلَ الفاسِد. ثمَّ يأتي النَّهي: وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾، والخُطُواتُ (خ-ط-و) جَمعُ الخَطوَةِ، وهي وَحدَةُ المَشيِ الصَّغيرَة: الشَّيطانُ يَطلُبُ خَطوَةً واحِدَةً غيرَ صارِخَة، ثمَّ تَتوالَدُ الخَطَواتُ بَعدَها، ولا يَطلُبُ خَطيئَةً ضَخمَة. والشَّيطانُ (ش-ط-ن) حَبلٌ يَمتَدُّ من نُقطَةٍ مَألوفَةٍ إلى هاوِيَةٍ لَم يَتَصَوَّرْها السّائِر. ولا مَجالَ للتَّعَلُّلِ بِالجَهل: إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ أعلَنَ عَداوَتَه بِنَفسِه منذُ يَومِ رَفضِ السُّجود.