البقرة · الآية 175

﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ ۚ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا: اسم الإشارة للبُعد الذمّيّ + افتعال (ش ر ي) المبادلة المتكلّفة

اسم الإشارة «أُولَٰئِكَ» يُحيل على كاتمي الكتاب في الآية السابقة، فالحكم هنا امتدادٌ لحكمهم، وليس طبقةً جديدة. والبُعد في الإشارة مقصود، لأنّ الإشارة البعيدة بعد الذمّ تفصل المتحدّث عن المشار إليه وتمنع الالتباس. و(ش ر ي) على وزن افتعال يحمل التكلّف والقصد، والمراد صفقةٌ إراديّة يدفع فيها المشتري ثمناً عن وعيٍ تامّ، من غير غفلةٍ ولا إكراه. فهم بذلوا الهدى ثمناً للضلالة وأخذوها بأيديهم، ولم يُنقَلوا إليها نقلاً. والشراء هنا مقلوب: في المعتاد يُدفع المال في الشيء النفيس، أمّا هنا فيُدفَع النفيس (الهدى) في الرديء (الضلالة).

الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ: (ض ل ل) ثقلٌ ممتدّ vs (هـ د ي) تفريغٌ موصِل + الباء للمعاوضة

والجذر (ض ل ل) يحمل ثِقلاً متعلّقاً ممتدّاً مُضاعفاً بتكرّر اللام، أي انحرافاً يشدّ صاحبه بعيداً ويزداد عنه كلّما مضى، وأمّا (هـ د ي) فتفريغٌ من الحواجز واتّصالٌ بالمقصد. والباء في «بِالْهُدَىٰ» باء المعاوضة لا الإلصاق، كقولك «بعت الدار بالمال». فالحركة هنا فقدانٌ غيرُ كسب، يبذل فيها الإنسان الخِفّة والوصل، ويأخذ بدلاً منهما الثقل والبُعد. والهُدى فطرةٌ مُودَعة في أصل الإنسان، وليس ملكاً خارجيّاً يُبادل، فحين يبذله ثمناً فإنّما يُفقر نفسه من أقرب شيء إليه.

وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ: عطف الصفقة الجزائيّة + تقابل (ع ذ ب) vs (غ ف ر)

والصفقة الأولى في طبقة السلوك (ضلالة بهدى)، والثانية في طبقة الجزاء (عذاب بمغفرة). والعطف بالواو يدلّ على أنّ المبادلتين متلازمتان غيرُ منفصلتين، أي أنّ مَن بذل الهدى الداخليّ فقد بذل المغفرة الخارجيّة تبعاً. و(ع ذ ب) رجوعٌ مرير نافذ يُلازم صاحبه، و(غ ف ر) غطاءٌ ساترٌ ممتدّ يفصل الذنب عن صاحبه، فالمبادلة مضاعفة الخسران: أعطوا ما يستر ويحمي، وأخذوا ما يخترق ويُلازم. وتقديم «العذاب» على «المغفرة» في ترتيب البيع يكشف الترتيب الباطن، وهو أنّهم اشتروا العذاب أوّلاً في النيّة، فكانت المغفرة هي ما بذلوه.

فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ: صيغة التعجّب + «على» للاستقرار + (ص ب ر) صلابة ممتدّة

والفاء تفريعيّة تربط المآل بالمبادلة، والمعنى أنّهم بعد أن بذلوا الهدى والمغفرة كان هذا ما آلوا إليه. و«ما» تعجّبيّة، وفعل التعجّب «أَصْبَرَهُمْ» على وزن «أفعل»، والمقصود به هنا إظهار غرابة المشهد واستنكاره، دون المدح. و(ص ب ر) في جذره صلابةٌ بارزة مسترسلة، وصَبَرَه حبَسَه وثبَّتَه. والصلابة في ذاتها قوّةٌ، غير أنّها هنا موجّهة في اتّجاه الهلاك لا النجاة. وأوثر «على النار» على «إلى النار»، والحرف «على» يفيد الاستعلاء والاستقرار، فهم مستقرّون على الطريق المُفضي إليها، مُمعنون فيه غيرُ سائرين، كأنّهم جلسوا فيها قبل أن يصلوها. والعجب أنّ صبرهم حقيقيّ، وهو مع ذلك صبرٌ على الخطأ دون الحقّ.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة، و«الضّالّ» دَوْرٌ يقع فيه مَن بَذَلَ الهُدى المُودَع في فِطرتِه ثمناً لانحرافٍ اختاره بكامل إرادته، وليس لَقَباً يُطلَق على خَصم، فاستقرّ على طَريق الهَلاك بصَبرٍ حقيقيّ موجَّهٍ في الجِهة المَقلوبة.


حَصيلة

تُلَخِّصُ الآيةُ تَلخيصاً ساخِراً حالَ كاتِمي الكِتابِ في الآيَةِ السّابِقَة: أُولَٰئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَىٰ وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ﴾. والصَّفقَةُ على مُستَوَيَين مُتَلازِمَين: الأوَّلُ في طَبَقَةِ السُّلوكِ (ض-ل-ل: ثِقَلٌ ممتَدٌّ يَشُدُّ صاحِبَه بَعيداً مُقابِلَ ه-د-ي: تَفريغٌ من الحَواجِزِ واتِّصالٌ بالمَقصَد)، والثّاني في طَبَقَةِ الجَزاءِ (ع-ذ-ب: مَرارَةٌ نافِذَة مُقابِلَ غ-ف-ر: غِطاءٌ ساتِرٌ ممتَدّ). وباءُ المُعاوَضَةِ تَكشِفُ حَقيقَةَ الصَّفقَة، وهي أنَّهُم أعطَوا النَّفيسَ وأَخَذوا الرَّديءَ بِإرادَةٍ تامَّة. والخِتامُ بـفَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ استِنكارٌ بَليغٌ بِصيغَةِ التَّعَجُّب، وصَبرُهُم حَقيقيٌّ (ص-ب-ر: صَلابَةٌ تَحبِسُ وتُثَبِّت) غَيرَ أنَّه مُوَجَّهٌ في الجِهَةِ المَقلوبَة، وحرفُ «على» يَكشِفُ استِقرارَهُم على المَسارِ لا مَرورَهُم به.