البقرة · الآية 209

﴿فَإِن زَلَلْتُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَإِن زَلَلْتُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ

(ز ل ل): الانزِلاقُ لا السُّقوطُ المَعذور

أصلُ (ز ل ل) في العَرَبيّةِ زَوالُ الشَّيءِ عن مَوضِعِه بِانسِياقٍ لا بِقَصدٍ مُدَبَّر، والزَّلَلُ انزِلاقُ مَن كانَ واقِفاً على طَريقٍ واضِحِ المَعالِم، وليس عَثرةَ الجاهِلِ ولا سَقطةَ المُبتَدِئ. والسِّياقُ يَأتي بَعدَ الأمرِ بِالدُّخولِ في السِّلمِ كافّةً (الآية 208)، فالزَّلَلُ هُنا هو الخُروجُ من السّاحةِ المُكتَمِلةِ إلى هامِشٍ تَفصيليٍّ يُتَّبَعُ فيه بَعضُ خُطُواتِ الشَّيطان. والكَلِمةُ تَقصِدُ أن تُبقيَ البابَ مَفتوحاً لِلعَودة، لأنَّ الزّالَّ انحَرَفَ عن المَسارِ ولم يَقطَعِ العَلاقة.

(ج ي أ) مَع (ب ي ن): البَيِّنةُ لا تَحتاجُ تَأويلاً

وقَولُه «مِن بَعدِ ما جاءَتكُمُ البَيِّناتُ» يُرَكِّبُ فِعلَينِ دَلاليَّين: (ج ي أ) يُشيرُ إلى وُصولٍ فِعليٍّ لا احتِماليّ، فالدَّليلُ قد بَلَغَ لا أنَّه قابِلٌ لِلبُلوغ، و(ب ي ن) يُفيدُ الوُضوحَ الذّاتيَّ لِلدَّليل دونَ وُضوحِه بِالتَّفسير. واجتِماعُ الجِذرَينِ يُلغي كُلَّ دَفعٍ بِعُذرِ الإشكال: كانتِ البَيِّناتُ واضِحةً في ذاتِها، لا خَفاءَ فيها ولا تَلبيس، ووَصَلَت إلى المُخاطَبِ وُصولَ الشَّيءِ المُسَلَّمِ بِه، ومَن زَلَّ بَعدَ هذا وَضَعَ نَفسَه في مَوقِعِ مَن لا يَستَطيعُ أن يَقولَ «لم أعلَم».

(ع ز ز): العِزّةُ كَاستِحالةِ الإفلات

وتَدُلُّ مادّةُ (ع ز ز) في كَلامِ العَرَبِ على الشِّدّةِ التي لا تُغلَب، وعلى الأرضِ الصُّلبةِ التي لا يَنفُذُها الماء، والعِزّةُ استِحالةُ أن يَنفُذَ إلى صاحِبِها شَيءٌ فيَكسِرَه، وليست كِبرياءَ نَفس. وحينَ يُقالُ «إنَّ اللهَ عَزيز» في سِياقِ الزَّلَل فالمَعنى أنَّ الزّالَّ لا يُمكِنُه أن يَنفُذَ خارِجَ الدّائِرةِ التي يَملِكُها الخَبَرُ الإلهيّ، ولا أن يُفلِتَ من العاقِبةِ بِخَفاءِ مَخبَأٍ أو بُعدِ مَسافة، والكَلِمةُ تُرَسِّخُ أنَّ القَدَرَ لا يُخدَعُ ولا يُراوَغ.

(ح ك م): الحِكمةُ كَمُوازَنةِ العاقِبةِ لا شِدَّتِها فَقَط

وأصلُ (ح ك م) المَنعُ بِالإتقان، ومِنه حَكَمةُ اللِّجام، وهي الحَديدةُ التي تَمنَعُ الفَرَسَ من الخُروجِ عن الوِجهة. والحِكمةُ هُنا تَصحيحٌ لِتَصَوُّرٍ خاطِئ، وليست زينةً لَفظيّةً مُلحَقةً بِالعِزّة، إذِ العِزّةُ وَحدَها قد تُفهَمُ قُوّةً عَمياء، فتَأتي (ح ك م) لِتُقَيِّدَها بِدِقّةِ المَوقِع. والزَّلّةُ الصَّغيرةُ لا تُقابَلُ بِعاصِفةٍ شامِلةٍ تُصيبُ البَريءَ مع المُسيء، والزَّلّةُ الكَبيرةُ لا تُقابَلُ بِعِتابٍ لَطيف، والجَمعُ بَينَ الجِذرَينِ يُنتِجُ عَدالةً دَقيقةً في قِياسِ الرَّدِّ على قَدرِ الانزِلاقِ نَفسِه.

تَرتيبُ الفاءِ في «فاعلَموا»

وجاءَ الجَوابُ «فاعلَموا»، وعُدِلَ فيه عن «فاحذَروا» و«فارجِعوا»، والأمرُ بِالعِلمِ يَأتي في مَقامِ الدّافِعِ الباطِن: مَن عَلِمَ أنَّ خَصمَه في الانزِلاقِ عَزيزٌ حَكيمٌ تَغَيَّرَت بِنيةُ قَرارِه من داخِلِه. والكَلِمةُ لا تَطلُبُ سُلوكاً قَبلَ أن تَبنيَ اعتِقاداً، لأنَّ السُّلوكَ المَبنيَّ على الخَوفِ المَحضِ يَنهارُ عِندَ أوَّلِ فُرصةِ إفلاتٍ مُتَخَيَّلة، وأمّا السُّلوكُ المَبنيُّ على العِلمِ بِأنَّ الإفلاتَ مُستَحيلٌ ابتِداءً فيَثبُت.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: الزَّلَلُ اسمُ دَورِ مَنِ انحَرَفَ عن طَريقٍ جاءَتهُ بَيِّناتُه، لا طَرَفٌ يُلَوَّنُ بِانتِماء، والعِزّةُ مع الحِكمةِ تَرسُمُ دَورَ الرَّدِّ بِحَيثُ يَكونُ قاطِعاً في قُوَّتِه ودَقيقاً في مَوضِعِه، فلا نَجاةَ بِهُروبٍ ولا ظُلمَ بِإفراط.


حَصيلة

تَأتي هذه الآيةُ مُباشَرةً بَعدَ أمرِ الدُّخولِ الشّامِلِ في السِّلم، فتَفتَحُ باباً لِلزّالِّ لا لِلرّافِض. والجِذرُ -ز-ل-ل- يَدُلُّ على زَوالِ الشَّيءِ عن مَوضِعِه بِانسِياقٍ لا بِقَصدٍ مُدَبَّر: فَإِن زَلَلْتُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾، والزّالُّ انحَرَفَ عن المَسارِ ولم يَقطَعِ العَلاقة، ومن هُنا يَبقى البابُ مَفتوحاً لِلعَودة. على أنَّ الآيةَ تُقَيِّدُ هذا الانحِرافَ بِالظَّرف: «من بَعدِ ما جاءَتكُمُ البَيِّنات»، والبَيِّناتُ من -ب-ي-ن- واضِحةٌ في ذاتِها لا تَحتاجُ واسِطةً لِفَهمِها، وقد وَصَلَت وُصولاً فِعليّاً لا احتِماليّاً كما يَدُلُّ عَلَيه -ج-ي-أ-، فمَن زَلَّ بَعدَ هذا فقد وَضَعَ نَفسَه في مَوقِعِ مَن لا يَملِكُ عُذرَ «لم أعلَم». ثُمَّ يَأتي الجَواب: «فاعلَموا أنَّ اللهَ عَزيزٌ حَكيم»، والعِزّةُ من -ع-ز-ز- استِحالةُ الإفلاتِ من الدّائِرةِ التي يَملِكُها الخَبَرُ الإلهيّ، والحِكمةُ من -ح-ك-م- تَقييدُ العِزّةِ بِدِقّةِ المَوقِع: الزَّلّةُ الصَّغيرةُ لا تُقابَلُ بِعاصِفةٍ شامِلة، والكَبيرةُ لا تُقابَلُ بِعِتابٍ لَطيف. وجاءَ الجَوابُ بِالعِلمِ في «فاعلَموا» دونَ الحَذَر، وفي ذلك بَيانُ أنَّ المَطلوبَ تَغييرُ البِنيةِ المَعرِفيّة، وليس خَوفاً مَرحَليّاً.