البقرة · الآية 43

﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ

«أَقِيمُوا» من (ق و م): الإقامةُ جَعلٌ، لا أَداءٌ عابِر

عُدِلَ في الآيةِ عن لَفظِ «صَلُّوا» إلى لَفظِ «أَقيموا الصَّلاة». ومَدارُ (ق و م) على الانتِصابِ بِالقُوَّةِ والثَّبات، ومِنه «قامَ» إذا انتَصَبَ، و«أَقامَ الشَّيءَ» جَعَلَه قائِماً بِقُدرَتِه. فَالإقامةُ إيقافُ الصَّلاةِ قائِمةً على قَوائِمِها في حَياةِ المُخاطَب، لا تأديةُ حَرَكةٍ مَوقوتة، فتَصيرُ مَواقيتُها هَيكَلاً تَنتَظِمُ فيه ساعاتُ يَومِه، ومَقاصِدُها مَنزِلةً تُصاغُ عَلَيها قَراراتُه. ولِذا يَستَوي مَن يُؤَدّي الصَّلاةَ من غَيرِ أن يُقيمَها ومَن لا يُصَلّي، فكِلاهُما لَم يَجعَلها قائِمةً في نَفسِه. والإقامةُ وَحدَها هي التي تَنقُلُ الصَّلاةَ من مَنسَكٍ مُنفَصِلٍ عَن بَقيَّةِ اليَوم إلى بُنيةٍ حامِلةٍ لِبَقيَّةِ اليَوم.

«الصَّلاة» من (ص ل و): الصِّلةُ المُتَواصِلةُ لا الحَدَثُ المُنفَصِل

وأصلُ (ص ل و) الاتِّصالُ والمُداوَمة، فَالصَّلاةُ في أَصلِها خَطٌّ حَيٌّ يَصِلُ العَبدَ بِأَصلِه الذي مِنه جاء. وإذا اجتَمَعَ مَعنى الإقامةِ، وهو جَعلُ الشَّيءِ قائِماً، ومَعنى الصَّلاةِ، وهو الصِّلةُ المُتَواصِلة، كانَ الأَمرُ بِإقامتِها أَمراً بِتَثبيتِ صِلةٍ دائِمةٍ لا حَدَثٍ عابِر. ومِن هُنا يَظهَرُ سِرُّ مَجيءِ هذا النِّداءِ بَعدَ الأَمرِ بِالإيمانِ بِما أُنزِل، فالمُخاطَبُ يُطالَبُ بِإقامةِ الصِّلةِ نَفسِها قائِمةً في حَياتِه، غَيرَ مُنفَصِلةٍ عَن بَقيَّةِ يَومِه انفِصالَ الحَدَثِ العابِر.

«آتُوا الزَّكَاةَ» من (ز ك و): النَّماءُ بِالتَّطهير

ومادّةُ (ز ك و) تَجمَعُ مَعنيَيِ النُّمُوِّ والطَّهارةِ في فِعلٍ واحِد، يُقالُ «زَكا الزَّرعُ» إذا نَما نَماءً طَيِّباً لا يَشوبُه فَساد. فَالزَّكاةُ حِصَّةٌ تَخرُجُ فَيُطَهَّرُ ما بَقِيَ ويَزيد، وليسَت ضَريبةً تُقتَطَعُ من المالِ لِيَنقُص. والفِعلُ «آتوا» من «الإتيان»، دونَ «الإخراج» و«الدَّفع»، ومَعناه إحضارُ الشَّيءِ ووَضعُه في يَدِ الآخِذ، فَفي اللَّفظِ تَنبيهٌ على أنَّ الزَّكاةَ حَركةٌ مِن ذاتِ المُؤتي إلى ذاتِ المُؤتى إليه، وأنَّها غَيرُ تَحويلٍ إلى صُندوقٍ مُعامِليّ. وفي هذا تَصحيحٌ لِتَصَوُّرٍ شائِعٍ يَجعَلُ الزَّكاةَ اقتِطاعاً مالياً يُنَظَّمُ كَالضَّريبةِ، وهو تَصَوُّرٌ يُفَرِّغُ الفِعلَ من مَعنى النَّماءِ والتَّطهيرِ الذي يَحمِلُه الجَذر.

«وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ» من (ر ك ع): الانحِناءُ الذي لا يَستَوي بِالفَردِ وَحدَه

ومَدارُ (ر ك ع) على انحِناءِ البَدَنِ عِندَ الوَسَطِ انحِناءَ تَخَلٍّ عَن القِيامِ الفَرديِّ المُستَقِلّ. ولِذَلك لا يُوصَفُ السّاجِدُ بِأَنَّه راكِعٌ وإن كانَ أَشَدَّ انحِناءً، فالرُّكوعُ هَيئةٌ وَسَطٌ بينَ القِيامِ والسُّجودِ تَكسِرُ استِواءَ المُكَلَّفِ بِنَفسِه قَبلَ أن يَصِلَ إلى تَمامِ الخُضوع. والقَيدُ «مَعَ الرّاكِعين» يَقلِبُ الحَرَكةَ من أَداءٍ مُمكِنِ الانفِرادِ إلى فِعلٍ مَعقودٍ في جَماعة، إذ لم يُقتَصَرْ على «وَاركَعوا»، وقُيِّدَ الأمرُ بِـ«مَعَ الرّاكِعين»، أي في صَفٍّ يَنضَمُّ إلَيه المُكَلَّف. فَالقَيدُ يَنقُلُ المُخاطَبَ من قِيامٍ فَرديٍّ مُستَقِلٍّ إلى انصِهارٍ في الصَّفّ، ويُطالِبُه بِانحِناءٍ يَستَوي فيه مَع سائِرِ الرّاكِعينَ لا فَوقَهم.

وقَد جاءَ لَفظُ «الرُّكوع» في نِداءٍ مُوَجَّهٍ إلى مَريَم وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، أي قَبلَ أن يَستَقِرَّ في كِتابِنا اصطِلاحاً فِقهيّاً، فَلَفظُ الرُّكوعِ دَورٌ ثابِتٌ في أَصلِ الصِّلةِ بينَ العَبدِ وأَصلِه عَبرَ الشَّرائِع، وليسَ اصطِلاحاً لاحِقاً.

التَّرتيبُ المَقصود: صِلةٌ تَقوم، فَحِصَّةٌ تَخرُج، فَانحِناءٌ يَجمَع

والأَفعالُ ثَلاثةٌ مُتَعاقِبة، وتَرتيبُها مَقصودٌ غَيرُ عَشوائيّ. فالآيةُ تَبدَأُ بِإقامةِ الصِّلةِ، لِأَنَّ الصِّلةَ إذا لَم تَقُم لَم يَكُنْ في الذّاتِ ما يُطَهَّرُ فَيُنمَّى، ثُمَّ تُثَنّي بِإتيانِ الزَّكاةِ، لِأَنَّ الصِّلةَ بِالأَصلِ لا تَكتَمِلُ ما لَم تَخرُج من يَدِ العَبدِ حِصَّةٌ تُؤَكِّدُ أَنَّه ليس مالِكَ ما في يَدِه على الحَقيقة، ثُمَّ تَختِمُ بِالرُّكوعِ في جَماعة، لِأَنَّ الانحِناءَ الذي لا يَرى صاحِبُه مَعَه مُنحَنِينَ يَبقى مُعَرَّضاً لِأَن يَتَحَوَّلَ إلى انحِناءٍ مَلحوظٍ يُفاخِرُ بِه، فَيَفقِدُ أَصلَ مَعناه. ومِن هُنا لا يَصِحُّ في نَسَقِ الآيةِ أن يُفصَلَ فِعلٌ عَن آخَر، فمَن أَقامَ الصَّلاةَ وأَمسَكَ الزَّكاةَ انقَطَعَت صِلَتُه، ومَن زَكَّى ولَم يَركَعْ مَعَ الرّاكِعينَ رَفَعَ نَفسَه فَوقَ مَن أَتاهُم.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: فـ«الصَّلاةُ» في القُرآنِ صِلةٌ تَقومُ على قَوائِمِها في نِظامِ الحَياة، لا مَنسَكٌ في زاوِيةٍ من اليَومِ يُؤَدّى ويَنقَضي، و«الزَّكاةُ» حِصَّةٌ تَخرُجُ من اليَدِ فَتُطَهِّرُها وتُنَمّي ما بَقيَ فيها، وليسَت اقتِطاعاً إدارياً، و«الرُّكوعُ» دَورُ مَن تَخَلّى عَن قِيامِه المُستَقِلِّ لِيَستَويَ في صَفٍّ مَعَ غَيرِه، وليسَ حَرَكةً فِقهيَّةً في رَكعة. فَحينَ تَجتَمِعُ الأَفعالُ الثَّلاثةُ في شَخصٍ واحِد تَنشَأُ الشَّخصيَّةُ التي عَناها النِّداءُ لِبَني إسرائيلَ ثُمَّ عَمَّ كُلَّ مَن جاءَ بَعدَهم.


حَصيلة

الآيةُ تَبني نِظاماً ثُلاثِيّاً مُتَتالياً: تُقيمُ الصِّلَةَ أَوَّلاً، ثُمَّ تُخرِجُ الحِصَّةَ ثانِياً، ثُمَّ تَنحَني في صَفٍّ ثالِثاً، وتَرتيبُها مَقصودٌ غَيرُ عَشوائيّ. و(ق-و-م) قُوَّةٌ تَتَجَمَّعُ في وَضعٍ ثابِتٍ على قَوائِمِه، فَالإقامَةُ إيقافُ الصَّلاةِ قائِمَةً في نِظامِ الحَياةِ كُلِّه، وليسَت تَكرارَ حَرَكات. و(ص-ل-و) رابِطَةٌ صُلبَةٌ نافِذَةٌ تَمتَدُّ بَينَ العَبدِ وأَصلِه. ثُمَّ (ز-ك-و)، وهو نَفاذٌ مُكتَنِزٌ يَنمو حينَ يَخرُج، فالحِصَّةُ التي تَخرُجُ من اليَدِ تُطَهِّرُ ما بَقِيَ وتُنَمِّيه ولا تُنقِصُه. والفِعلُ المُختارُ «آتُوا» إحضارٌ ووَضعٌ في يَدِ آخِذٍ بَعَينِه، دونَ تَحويلٍ إلى صُندوقٍ مَجهول. ثُمَّ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾، و«مَع» فيها هي المِفصَل، إذ (ر-ك-ع) كَسرُ الاستِواءِ الفَردِيِّ في مُنتَصَفِ القامَة، ولا يَكتَمِلُ مَعناه إلّا حينَ يَجِدُ صاحِبُه إلى جانِبِه مُنحَنِيَن آخَرين. وفي السِّياقِ المُباشِرِ يَنقُلُ هذا الأَمرُ المُخاطَبَ من قِيامٍ فَرديٍّ مُستَقِلٍّ إلى صَفٍّ يَستَوي فيه مَع غَيرِه. والحاصِلُ أنَّ الصَّلاةَ والزَّكاةَ والرُّكوعَ مَع الجَماعَةِ ثَلاثُ أَضلاعٍ لِهَيكَلٍ واحِد، يَنكَسِرُ إن أُزيلَ أيٌّ مِنها.