البقرة · الآية 44

﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

«أَتَأْمُرونَ النّاسَ بِالبِرِّ» من (ب ر ر): البِرُّ سَعةٌ مَفتوحةٌ لا إحسانٌ جُزئيّ

مَدارُ (ب ر ر) على الاتِّساعِ والانفِتاحِ المُمتَدّ، ومِن الجَذرِ نَفسِه «البَرّ» لِلأرضِ المَفتوحةِ البَسيطةِ في مُقابِلِ «البَحرِ» المَحصورِ داخِلَ حُدوده، و«البارّ» من الأَبناءِ الذي فَتَحَ قَلبَه لِوالِدَيهِ سَعةً لا تَضيقُ بِحاجَةٍ ولا تَبخَلُ بِوَقتٍ. فـ«البِرّ» سَعةٌ تَشمَلُ ظاهِرَ العَمَلِ وباطِنَ النِّيَّةِ مَعاً، ولا يُختَصَرُ في إحسانٍ صَغيرٍ من صَدَقةٍ أو كَلِمةٍ طَيِّبة. ومَن يَأمُرُ النّاسَ بِهذه السَّعةِ وقَلبُه عِندَ نَفسِه ضَيِّقٌ لا يَعرِفُ طَريقَها فَقَد باعَ لَفظاً لا يَملِكُ مُسَمّاه، يَحُضُّ على انفِتاحٍ هو عَنه مُنغَلِق، ويُنادي بِأَصلٍ لَم يَنبُت في ذاتِه فَرعُه.

ولَفظُ «النّاس» في الآيةِ يَقطَعُ بِأَنَّ المُخاطَبَ في النَّسَقِ الأَوَّلِ هم مَن وُضِعوا في مَوضِعِ العِلمِ في مُواجَهةِ سائِرِ الأَقوام، يَحمِلونَ كِتاباً ويَأمُرونَ غَيرَهم بِما فيه، ويَدَعونَ أَنفُسَهم خارِجَ التَّكليف. غَيرَ أنَّ الحُكمَ لا يَتَوَقَّفُ عِندَ طائِفةٍ بِعَينِها: كُلُّ مَن وُضِعَ في مَوقِعِ التَّعليمِ أو الإرشادِ يَقَعُ تَحتَ هذا النِّداءِ حينَ يَنفَصِلُ قَولُه عَن حالِه.

«وَتَنسَونَ أَنفُسَكُم» من (ن س ي): النِّسيانُ تَخَلٍّ إرادِيٌّ لا غِيابُ ذاكِرة

وجَذرُ (ن س ي) في العَرَبيّةِ أَوسَعُ من ذاكِرةٍ فاتَها ما كانَ فيها، وأَصلُ المادّةِ الانفِلاتُ من القَبضة، يُقالُ «نَسِيَ» الشَّيءَ إذا انفَلَتَ من تَحَكُّمِه، ومِن هُنا جاءَ قَولُه تَعالى نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُم﴾، أي تَخَلَّوا عَن رِعايَتِهِ فَرُفِعَت عَنهُم رِعايَتُه. والمُرادُ بِقَولِه «تَنسَونَ أَنفُسَكُم» أَنَّهم أَفلَتوا أَنفُسَهم من قَبضَةِ المُحاسَبة، يَأخُذونَ غَيرَهم بالتَّكليفِ ويُعفُونَ أَنفُسَهم من مِثلِه، ولا يُرادُ بِه أنَّهم لا يَذكُرون أَنفُسَهم، فَالإنسانُ لا يَغفُلُ عَن ذاتِه. وهذا وَجهٌ من أَخبَثِ وُجوهِ النِّفاقِ المَعرِفيّ، أن يَعلَمَ المَرءُ الحَدَّ ويُطَبِّقَه على غَيرِه، ثمَّ يُدبِرَ عَنه حينَ يَدورُ عَلَيه هُو.

والنِّسيانُ في مَقامِه هذا نَقيضُ التَّقوى التي وَرَدَت في الآيةِ ٤١، فالتَّقوى وِقايةٌ يَضَعُها العَبدُ على نَفسِه عِندَ الحَدّ، والنِّسيانُ إفلاتُ النَّفسِ من ذلك الحَدّ. ومَن يَضَعُ الوِقايةَ على غَيرِه ويَرفَعُها عَن نَفسِه فقد جَمَعَ بَينَ نَقيضَين: وَعيٍ بِالحَدِّ وإفلاتٍ مِنه.

«وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ» من (ت ل و): التِّلاوةُ اتِّباعٌ بِالقَدَمِ لا قِراءةٌ باللِّسان

والفِعلُ «تَلا» من جذر (ت ل و)، وأَصلُه الذي لا يُنسى أن يَتبَعَ الشَّيءَ مُباشَرةً ويَلحَقَ به بِلا فاصِل، و«التّالي» من الإبِلِ الذي يَسيرُ خَلفَ القائِد. ومِن هذا الأَصلِ وُضِعَ الفِعلُ لِقِراءةِ الكِتابِ، لِأَنَّها في حَقيقَتِها اتِّباعٌ لِلنَّصِّ كَما يَتبَعُ السّائِرُ مَن أَمامَه، يَنطِقُ الكَلِمةَ التي يَنطِقُها النَّصُّ، ويَقِفُ حَيثُ يَقِفُ، ويَتَّبِعُ في ذلك الأَمرَ والنَّهيَ لا اللَّفظَ وَحدَه. فَقَولُه وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ يَضَعُ المُتَلَقّي في مَوضِعِ المُتَنَاقِض، يَدَّعي الاتِّباعَ باللِّسانِ في الصَّوتِ، ثمَّ يَنحَرِفُ بِالقَدَمِ إلى وِجهةٍ أُخرى.

ولِذا أوثِرَ في الآيةِ فِعلُ «تَتلونَ» على فِعلِ «تَقرَءونَ»، فلَو جاءَ «تَقرَءون» لَاكتُفِيَ بِوَصفِ حَرَكةِ العَينِ فَوقَ النَّصّ، و«تَتلونَ» تُضيفُ وَصفَ السَّير: أنتُم تَضَعون أَقدامَكم في أَثَرِ الكِتابِ، وهذا يُوجِبُ أن تَصِلَ أَرجُلُكم إلى ما وَصَلَ إلَيه أَمرُه، لا أن تَسبِقوها حَيثُ تَشاءُ أَنتُم ثمَّ تَحتَجُّوا بِلِسانٍ تالٍ.

«أَفَلَا تَعْقِلُونَ» من (ع ق ل): العَقلُ ما يَعقِلُ القَولَ إلى الفِعل

وأَصلُ (ع ق ل) الرَّبطُ والتَّقييد، ومنه «العِقالُ» لِلحَبلِ الذي يُشَدُّ بِه البَعيرُ لِئَلّا يَنفَلِت. فَالعَقلُ في الأَصلِ العَرَبيِّ قُوّةٌ تَربِطُ شَيئاً بِشَيءٍ آخَرَ فَتَمنَعُهما من الانفِكاك، وليسَ تَصَوُّراً مُجَرَّداً. وهنا يَظهَرُ سِرُّ الختامِ بِاستِفهامِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، فهو لا يَسأَلُ المُخاطَبَ هَل عِندَه مَلَكةُ الفَهم، فَهي ظاهِرةٌ بِدَليلِ أَنَّه يَأمُرُ غَيرَه ويَتلو الكِتاب، وإنّما يَسأَلُه: أَينَ عِقالُك؟ ما الذي يَربِطُ بَينَ ما تَأمُرُ بِه وما تَفعَلُه أنتَ؟ ما الذي يَحبِسُ القَولَ في ذاتِه حتّى لا يَنفَلِتَ من فِعلِه؟

فَالتَّناقُضُ الذي تَكشِفُه الآيةُ لا يَرجِعُ إلى قِلَّةِ عِلمٍ ولا إلى قِلَّةِ فَهم، ومَرجِعُه انفِكاكُ الرَّبطِ بَينَ ثَلاثةِ مَواقِع: اللِّسانِ الذي يَأمُر، والقَدَمِ التي تَسير، والصَّدرِ الذي يَذكُرُ النَّفس. والعَقلُ في الأَصلِ هو الحَبلُ الذي كانَ يَشُدُّ هذه المَواقِعَ بَعضَها إلى بَعض، فَإذا انحَلَّ هذا الحَبلُ ظَلَّ العِلمُ ظاهِراً وظَلَّ العَمَلُ غائِباً.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: فـ«البِرُّ» سَعةٌ تَشمَلُ الظاهِرَ والباطِنَ، فَلا يُؤمَرُ بِها مَن لَم يَذُقها، و«النِّسيانُ» إفلاتُ النَّفسِ من قَبضَةِ المُحاسَبةِ لا غيابُ الذّاكِرة، و«التِّلاوةُ» اتِّباعٌ بِالقَدَمِ يَلزَمُ مَن وَضَعَ لِسانَه على النَّصِّ، و«العَقلُ» الحَبلُ الذي يَشُدُّ القَولَ إلى الفِعلِ، فَإذا انحَلَّ استَوى العالِمُ والجاهِلُ في الحِسابِ.


حَصيلة

يَبلُغُ العِتابُ هُنا ذِروَتَه التَّشخيصِيَّة في ثَلاثَةِ مَواقِعَ مُنفَكَّةٍ في شَخصٍ واحِد: اللِّسانِ الذي يَأمُرُ النّاسَ بِالبِرِّ، والقَدَمِ التي تَسيرُ في خِلافِه، والصَّدرِ الذي أَفلَتَ نَفسَه من حِسابِه. ومادّةُ (ب-ر-ر) تَدُلُّ على سَعَةِ الأَرضِ البَسيطَةِ المُنفَتِحَة، دونَ الإحسانِ الجُزئيّ، فَمَن يَأمُرُ بِها وقَلبُه مُنغَلِقٌ عَنها لا يَملِكُ مُسَمّى ما يَنطِقُه. و(ن-س-ي) في أَصلِ العَرَبيَّةِ إفلاتُ الشَّيءِ من القَبضَةِ إرادِياً، أي انسِحابٌ مَقصودٌ من المُحاسَبَةِ الذّاتِيَّة، وليسَ غِيابَ الذّاكِرَة. ثُمَّ اختيرَ «تَتلون» دونَ «تَقرَءون»، و(ت-ل-و) أَصلُه السَّيرُ خَلفَ ما يُتبَع، فادِّعاءُ اتِّباعِ الكِتابِ باللِّسانِ مَع انحِرافِ القَدَمِ تَناقُضٌ مَنهَجيٌّ داخِليّ. وخُتِمَتِ الآيةُ بِـأَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، و(ع-ق-ل) الحَبلُ الذي يَشُدُّ البَعيرَ فلا يَنفَلِت، أي قُوَّةُ الرَّبطِ بَينَ القَولِ والفِعل، فالسُّؤالُ عَن مَكانِ الحَبلِ الذي انقَطَع، وليسَ استِفساراً عَن وُجودِ الفَهم. والمَعرِفَةُ دونَ العِقالِ الدّاخِليِّ تَنقَلِبُ وَبالاً: كُلَّما اتَّسَعَت رُقعَةُ القَولِ وضاقَ أَثَرُ الفِعلِ زادَ الحِساب.