البقرة · الآية 44

﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ

«أَتَأْمُرونَ النّاسَ بِالبِرِّ» من (ب ر ر): البِرُّ سَعةٌ مَفتوحةٌ لا إحسانٌ جُزئيّ

جَذرُ (ب ر ر) يَدورُ على الاتِّساعِ والانفِتاحِ المُمتَدّ. ومِن الجَذرِ نَفسِه: «البَرّ» لِلأرضِ المَفتوحةِ البَسيطةِ في مُقابِلِ «البَحرِ» المَحصورِ داخِلَ حُدوده، و«البارّ» من الأَبناءِ الذي فَتَحَ قَلبَه لِوالِدَيهِ سَعةً لا تَضيقُ بِحاجَةٍ ولا تَبخَلُ بِوَقتٍ. فَليسَ «البِرّ» إحساناً صَغيراً يُختَصَرُ في صَدَقةٍ أو كَلِمةٍ طَيِّبة، بَل سَعةٌ تَشمَلُ ظاهِرَ العَمَلِ وباطِنَ النِّيَّةِ مَعاً. ومَن يَأمُرُ النّاسَ بِهذه السَّعةِ وقَلبُه عِندَ نَفسِه ضَيِّقٌ لا يَعرِفُ طَريقَها، فَقَد باعَ لَفظاً لا يَملِكُ مُسَمّاه: يَحُضُّ على انفِتاحٍ هو عَنه مُنغَلِق، ويُنادي بِأَصلٍ لَم يَنبُت في ذاتِه فَرعُه.

ولَفظُ «النّاس» في الآيةِ يَقطَعُ بِأَنَّ المُخاطَبَ في النَّسَقِ الأَوَّلِ هم أَحبارُ بَني إسرائيلَ في مُواجَهةِ سائِرِ الأَقوامِ: يَحمِلونَ كِتاباً ويَأمُرونَ غَيرَهم بِما فيه، ويَدَعونَ أَنفُسَهم خارِجَ التَّكليف. لكنَّ الحُكمَ لا يَتَوَقَّفُ عِندَ طائِفةٍ بِعَينِها: كُلُّ مَن وُضِعَ في مَوقِعِ التَّعليمِ أو الإرشادِ يَقَعُ تَحتَ هذا النِّداءِ حينَ يَنفَصِلُ قَولُه عَن حالِه.

«وَتَنسَونَ أَنفُسَكُم» من (ن س ي): النِّسيانُ تَخَلٍّ إرادِيٌّ لا غِيابُ ذاكِرة

جَذرُ (ن س ي) في العَرَبيّةِ أَوسَعُ من ذاكِرةٍ فاتَها ما كانَ فيها. أَصلُ المادّةِ الانفِلاتُ من القَبضة: «نَسِيَ» الشَّيءَ إذا انفَلَتَ من تَحَكُّمِه، ومِن هُنا جاءَ قَولُه تَعالى نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُم﴾، أي تَخَلَّوا عَن رِعايَتِهِ فَرُفِعَت عَنهُم رِعايَتُه. فَقَولُه «تَنسَونَ أَنفُسَكُم» لا يَعني أنَّهم لا يَذكُرون أَنفُسَهم، فَالإنسانُ لا يَغفُلُ عَن ذاتِه. يَعني أَنَّهم أَفلَتوا أَنفُسَهم من قَبضَةِ المُحاسَبة: يَأخُذونَ غَيرَهم بالتَّكليفِ، ويُعفُونَ أَنفُسَهم من مِثلِه. وهذا وَجهٌ من أَخبَثِ وُجوهِ النِّفاقِ المَعرِفيّ: أن يَعلَمَ المَرءُ الحَدَّ ويُطَبِّقَه على غَيرِه، ثمَّ يُدبِرَ عَنه حينَ يَدورُ عَلَيه هُو.

والنِّسيانُ في مَقامِه هذا هو نَقيضُ التَّقوى التي وَرَدَت في الآيةِ السّابِقة: التَّقوى وِقايةٌ يَضَعُها العَبدُ على نَفسِه عِندَ الحَدّ، والنِّسيانُ إفلاتُ النَّفسِ من ذلك الحَدّ. فَمَن يَضَعُ الوِقايةَ على غَيرِه ويَرفَعُها عَن نَفسِه، قد جَمَعَ بَينَ نَقيضَين: وَعيٍ بِالحَدِّ وإفلاتٍ مِنه.

«وَأَنتُم تَتلُونَ الكِتابَ» من (ت ل و): التِّلاوةُ اتِّباعٌ بِالقَدَمِ لا قِراءةٌ باللِّسان

الفِعلُ «تَلا» من جذر (ت ل و) أَصلُه الذي لا يُنسى: تَبِعَ الشَّيءَ مُباشَرةً ولَحِقَ به بِلا فاصِل. و«التّالي» من الإبِلِ الذي يَسيرُ خَلفَ القائِد. ومِن هذا الأَصلِ وُضِعَ الفِعلُ لِقِراءةِ الكِتابِ لِأَنَّها في حَقيقَتِها اتِّباعٌ لِلنَّصِّ كَما يَتبَعُ السّائِرُ مَن أَمامَه: يَنطِقُ الكَلِمةَ التي يَنطِقُها النَّصُّ، ويَقِفُ حَيثُ يَقِفُ، ويَتَّبِعُ في ذلك الأَمرَ والنَّهيَ لا اللَّفظَ وَحدَه. فَقَولُه وَأَنتُم تَتلُونَ الكِتابَ﴾ يَضَعُ المُتَلَقّي في مَوضِعِ المُتَنَاقِض: يَدَّعي الاتِّباعَ باللِّسانِ في الصَّوتِ، ثمَّ يَنحَرِفُ بِالقَدَمِ إلى وِجهةٍ أُخرى.

ولِذا تَختارُ الآيةُ فِعلَ «تَتلونَ» لا فِعلَ «تَقرَءونَ»: لَو قالَ «تَقرَءون» لَاكتَفى بِوَصفِ حَرَكةِ العَينِ فَوقَ النَّصّ. «تَتلونَ» تُضيفُ وَصفَ السَّير: أنتُم تَضَعون أَقدامَكم في أَثَرِ الكِتابِ، وهذا يُوجِبُ أن تَصِلَ أَرجُلُكم إلى ما وَصَلَ إلَيه أَمرُه، لا أن تَسبِقوها حَيثُ تَشاءُ أَنتُم ثمَّ تَحتَجُّوا بِلِسانٍ تالٍ.

«أَفَلَا تَعقِلُونَ» من (ع ق ل): العَقلُ ما يَعقِلُ القَولَ إلى الفِعل

جَذرُ (ع ق ل) أَصلُه الرَّبطُ والتَّقييد: «العِقالُ» الحَبلُ الذي يُشَدُّ بِه البَعيرُ لِئَلّا يَنفَلِت. فَالعَقلُ في الأَصلِ العَرَبيِّ ليس تَصَوُّراً مُجَرَّداً، بَل قُوّةٌ تَربِطُ شَيئاً بِشَيءٍ آخَرَ فَتَمنَعُهما من الانفِكاك. وهنا يَظهَرُ سِرُّ الختامِ بِاستِفهامِ أَفَلَا تَعقِلُونَ﴾: لا يَسأَلُ المُخاطَبَ هَل عِندَه مَلَكةُ الفَهم، فَهي ظاهِرةٌ بِدَليلِ أَنَّه يَأمُرُ غَيرَه ويَتلو الكِتاب. إنّما يَسأَلُه: أَينَ عِقالُك؟ ما الذي يَربِطُ بَينَ ما تَأمُرُ بِه وما تَفعَلُه أنتَ؟ ما الذي يَحبِسُ القَولَ في ذاتِه حتّى لا يَنفَلِتَ من فِعلِه؟

فَالتَّناقُضُ الذي تَكشِفُه الآيةُ ليس في قِلَّةِ عِلمٍ ولا في قِلَّةِ فَهم، بَل في انفِكاكِ الرَّبطِ بَينَ ثَلاثةِ مَواقِع: اللِّسانِ الذي يَأمُر، والقَدَمِ التي تَسير، والصَّدرِ الذي يَذكُرُ النَّفس. والعَقلُ في الأَصلِ هو الحَبلُ الذي كانَ يَشُدُّ هذه المَواقِعَ بَعضَها إلى بَعض، فَإذا انحَلَّ هذا الحَبلُ ظَلَّ العِلمُ ظاهِراً وظَلَّ العَمَلُ غائِباً.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: «البِرُّ» سَعةٌ تَشمَلُ الظاهِرَ والباطِنَ، فَلا يُؤمَرُ بِها مَن لَم يَذُقها، و«النِّسيانُ» إفلاتُ النَّفسِ من قَبضَةِ المُحاسَبةِ لا غيابُ الذّاكِرة، و«التِّلاوةُ» اتِّباعٌ بِالقَدَمِ يَلزَمُ مَن وَضَعَ لِسانَه على النَّصِّ، و«العَقلُ» الحَبلُ الذي يَشُدُّ القَولَ إلى الفِعلِ فَإذا انحَلَّ استَوى العالِمُ والجاهِلُ في الحِسابِ.


حَصيلة

يَبلُغُ العِتابُ هُنا ذِروَتَه التَّشخيصِيَّة: ثَلاثَةُ مَواقِعَ مُنفَكَّةٌ في شَخصٍ واحِد، اللِّسانُ الذي يَأمُرُ النّاسَ بِالبِرِّ والقَدَمُ التي تَسيرُ في خِلافِه والصَّدرُ الذي أَفلَتَ نَفسَه من حِسابِه. وجَذرُ (ب-ر-ر) لا يَعني إحساناً جُزئياً بَل سَعَةَ الأَرضِ البَسيطَةِ المُنفَتِحَة، فَمَن يَأمُرُ بِها وقَلبُه مُنغَلِقٌ عَنها لا يَملِكُ مُسَمّى ما يَنطِقُه. و(ن-س-ي) في أَصلِ العَرَبيَّةِ ليس غِيابَ الذّاكِرَة، بل إفلاتُ الشَّيءِ من القَبضَةِ إرادِياً، أي انسِحابٌ مَقصودٌ من المُحاسَبَةِ الذّاتِيَّة. ثُمَّ اختِيارُ «تَتلون» لا «تَقرَءون»: (ت-ل-و) أَصلُه السَّيرُ خَلفَ ما يُتبَع، فادِّعاءُ اتِّباعِ الكِتابِ باللِّسانِ مَع انحِرافِ القَدَمِ تَناقُضٌ مَنهَجيٌّ داخِليّ. وخِتامُ أَفَلَا تَعقِلُونَ﴾: (ع-ق-ل) الحَبلُ الذي يَشُدُّ البَعيرَ فلا يَنفَلِت، أي قُوَّةُ الرَّبطِ بَينَ القَولِ والفِعل، فالسُّؤالُ لا يَستَفسِرُ عَن وُجودِ الفَهمِ بَل عَن مَكانِ الحَبلِ الذي انقَطَع. المَعرِفَةُ دونَ العِقالِ الدّاخِليِّ تَنقَلِبُ وَبالاً: كُلَّما اتَّسَعَت ثَجمَةُ القَولِ وضاقَ أَثَرُ الفِعلِ، زادَ الحِسابُ.