آل عمران · الآية 105

﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ ۚ وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ

«وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا»: النَّهيُ يَمنَعُ التَّشَبُّهَ في صَيرورةِ الانقِسام

تَعطِفُ الواوُ هذا النَّهيَ على طَلبِ قيامِ أمّةٍ تدعو إلى الخَير، فيأتي ضِدُّها مَسارُ الذين تَفَرَّقوا. والكَونُ من ك-و-ن كَتمٌ وامتِساكٌ يَحبِسُ الشَّيءَ في باطِنٍ ثمّ يَنبَعِثُ بِه من الباطنِ إلى وُجود، والنَّهيُ يَمنَعُ المخاطَبينَ من أن يَدخُلوا ذلك الكَونَ. وجَمعُ المخاطَبينَ في «تكونوا» يَجعَلُ الوِقايةَ من التَّشَبُّهِ شأناً يَحمِلُه كلُّ الجَمع، لا نَصيحةً لفردٍ مُنعَزِل. والكافُ تُقيمُ مَوضِعَ الشَّبَه، والموصولُ يُعَرِّفُ أصحابَه بالفِعلِ الواقِعِ منهم وحدَه، وهو «تَفَرَّقوا». فمَوضِعُ الشَّبَهِ حَرَكةٌ تُتَّقى، مَفتوحةٌ لكلِّ مَن يَسلُكُ مَسارَها.

«وَاخْتَلَفُوا»: التَّباعُدُ يُضافُ إلى التَّفَرُّق

وتَعطِفُ الآيةُ الاختِلافَ على خُروجِ الأجزاء، فلا تَقِفُ عندَه. ومادّةُ خ-ل-ف تَفتَحُ اختِراقاً نافذاً يَتَعَلَّقُ ويمتَدُّ ثمّ يَشقُّ ويُبعِد، فتَصيرُ وِجهةٌ خَلفَ أخرى أو على غَيرِها. وصيغةُ الافتِعالِ تُدخِلُ الفاعِلينَ في الحَرَكةِ التي تَنتِجُ التَّخالُف، واجتِماعُ الفِعلَينِ يَكشِفُ تَدرُّجاً: انفِصالٌ يَشقُّ الجَماعةَ، ثمّ وِجهاتٌ تَتَبايَنُ. والنَّهيُ مُتَعَلِّقٌ بهذا المَسارِ لا بهُويّةٍ موروثة.

«مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ»: البَعديّةُ تَجعَلُ الوُصولَ حُجّةً عليهم

و«من بعد» تَربطُ زمنَ الاختلافِ بحدثٍ سبقه، هو أنّ البيّناتِ جاءتهم. والمجيءُ من ج-ي-ء مُجتَمِعٌ يَسيرُ حتّى يَنبَثِقَ في مَوضِعٍ لم يَكُن فيه، فيَبلغُ المتلقّي، والبيّناتُ من ب-ي-ن انفِتاحٌ يُخرِجُ الباطِنَ إلى ظُهورٍ فاصِلٍ فيَنفَصِلُ الشَّيءُ عمّا حَولَه، وهي جمعٌ يُكثّرُ الوجوهَ الواضحة. فالتفرّقُ يَقعُ هنا بعدَ أن صارَ البيانُ واصلاً إليهم.

«وَأُولَٰئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ»: العَذابُ العَظيمُ يَلقى أصحابَ التَّفَرُّقِ والاختِلاف

ويَعودُ اسمُ الإشارةِ إلى الذين وَصَفَهم النصُّ بالتَّفَرُّقِ والاختِلافِ بعدَ البيّنات، وتَقديمُ «لهم» يَربِطُ العذابَ بهم رَبطاً صَريحاً من غير أن يَعمَّ غيرَهم. والعذابُ من ع-ذ-ب ظُهورٌ من العُمقِ يَنفُذُ في اتِّصالٍ حادٍّ ثمّ يَحتَبِسُ ويَضغط، فيَبلُغُ صاحبَه ولا يَترُكُه. و«عظيم» من ع-ظ-م كُتلةٌ مُلتَحِمةٌ مُتَلاصِقةٌ يَغشاها غِطاءٌ غَليظٌ يَحجُبُها، والصِّفةُ تُغَلِّظُ قَدرَ العذابِ من داخلِ العبارة.


حَصيلة

تُقيمُ الآيةُ حاجزاً بعدَ الأمرِ بالاعتصامِ وقيامِ الأمة، فـ«ولا تكونوا» يَصرفُ المخاطبينَ عن هيئةِ الذين شقّوا جمعَهم ثمّ دخلوا في وجهاتِ الاختلاف. وتَضبطُ «من بعد» موضعَ الخطر، فالبيّناتُ سبقت ووصلت، ثمّ جاءَ الفعلان، ولذلك تَعودُ الإشارةُ إلى أصحابِ هذا المسارِ بذواتهم ويُسندُ إليهم عذابٌ عظيم، فيَبقى المحذورُ سلوكاً موصوفاً.