آل عمران · الآية 131

﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ

«وَاتَّقُوا»: الوِقايةُ تَمتَدُّ إلى النّار

تَعطِفُ الواوُ هذا الأمرَ على الأمرِ السابقِ بوِقايةِ الله، فيَستَمِرُّ الفِعلُ نفسُه ويَتَغيَّرُ مَفعولُه. ومادّةُ و-ق-ي تَبدأُ بوصلٍ يَطوّقُ صاحبه، ثمّ يَعقدُ القافُ ذلك الوصلَ في العمق، ويَمدُّه الياءُ صَوناً بينه وبينَ النار. وصيغةُ الافتعالِ تجعلُ المخاطَبين صانعي هذا الاتصالِ عامدين، ومجيءُ الأمرِ بلفظِ الجمعِ يُحمِّلُ كلَّ الذين نُودوا بالإيمانِ مسؤوليّةَ الحركةِ بعيداً عن المحذور.

«النَّارَ»: حَدُّ الحَذَرِ صارَ مُسَمّى

وتأتي النارُ مفعولاً مباشراً لـ«اتّقوا»، فتَتَّجِهُ الوِقايةُ إلى اجتِنابِها. والنارُ من ن-و-ر، ومعناه انبِعاثٌ من الباطِنِ إلى الخارِجِ يَجري مُستَرسِلاً في ظُهورٍ وإشعاع، انبِعاثٌ يَخرُجُ من داخِلٍ فيَسري فيما حَولَه، غيرَ أنّ اللفظَ هنا «النار» دونَ «النور»، فهو يَحمِلُ الوَقعَ المُحرِقَ للظُّهورِ المتَّقِد. والتَّعريفُ يُحضِرُها حَقيقةً معلومةً في الخِطاب، فتَقَعُ الوِقايةُ على مُسَمًّى واحدٍ حاضِرٍ في اللفظِ يَعرِفُه السامِع. وقُوّةُ الأمرِ في هذه التَّسميةِ نفسِها، أي في مَحذورٍ له اسمٌ يُنطَقُ به، ووِقايةٍ لها مَفعولٌ صَريحٌ تَتَّجِهُ إليه، فلا يَبقى الحَذَرُ مُعَلَّقاً على شُعورٍ عامّ.

«الَّتِي أُعِدَّتْ»: نارٌ مُهَيَّأةٌ لا طارِئة

والاسمُ الموصولُ المؤنّثُ يَتَّصِلُ بالنارِ ويُعرّفُها بفعلٍ وقعَ عليها هو «أُعدّت». وفي ع-د-د يَظهرُ الشيءُ مندفعاً، ثمّ تَحبسُه الدالُ ويُضاعفُ تكرارُها إحكامَ الضبط، فيَصيرُ مُهيّأً ثابتاً لمقصده. والبناءُ للمجهولِ يَجعلُ النارَ متلقّيةً للفعل، والماضي يَضعُ التهيئةَ خلفَ الأمرِ بالوِقايةِ حقيقةً منجزة، فالمخاطَبونَ يَتحرّكونَ ابتعاداً عن محذورٍ قد استقرَّ إعدادُه.

«لِلْكَافِرِينَ»: التَّغطيةُ تَقودُ إلى ما أُعِدَّ لها

واللّامُ تَصِلُ إعدادَ النارِ بالكافرين. ومادّةُ ك-ف-ر تَجمعُ بينَ احتباسٍ يُمسِكُ ما ظهر، وشَقٍّ ضيّقٍ يَجري منه السِّترُ حتى يَغلبَ على صاحبه. وصيغةُ «الكافرين» تَعرضُ أصحابَ هذه الحركةِ قائمينَ بها، فيَجيءُ الأمرُ للذين آمنوا أن يَصنعوا بوِقايتهم مسافةً عمليةً بينهم وبينَ النار، وبينهم وبينَ طريقِ الحَجبِ الذي رُبط إعدادُها بأصحابه.


حَصيلة

تَحمِلُ الواوُ الوِقايةَ من الآيةِ السابقةِ إلى مَفعولٍ صَريحٍ هو النار. وصيغةُ الافتِعالِ تَطلُبُ صَوناً عامِداً، والموصولُ يَصِفُ النارَ بإعدادٍ تامٍّ وقعَ عليها، واللّامُ تَربِطُ هذا الإعدادَ بالكافرينَ الذين يُعرِّفُهم اسمُ الفاعِلِ بحَرَكةِ الحَجبِ المستمرّة. والنارُ في الآيةِ اسمٌ واحدٌ يَكفي لتَوجيهِ الوِقاية، وإعدادُها ماضٍ قد تَمَّ، ووِجهتُها مَوصولةٌ بحَرَكةٍ لا بنَسَب. والمَطلوبُ أن يَصنعَ الذين آمنوا وَصلَ الوِقايةِ بينهم وبينَ المَحذور، وألّا يَدخُلوا طبيعةَ أصحابِه.