آل عمران · الآية 130

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ

«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا»: الثِّقةُ تُستَدعى لحَملِ النَّهي

يَفتَحُ النِّداءُ خِطاباً مُباشِراً، ويُعرِّفُ الموصولُ المخاطَبينَ بفِعلٍ سَبَقَ منهم: آمنوا. وفي أ-م-ن قَطعٌ حاسِمٌ يَسكُنُ إلى احتِواءٍ باطن، ثمّ يَنبَعِثُ من ذلك الباطنِ إلى الخارجِ أمناً يَظهَرُ في الفِعل، وهذا الوَجهُ الأخيرُ هو المُرادُ في هذا المَوضِع، لأنَّ ما يَلي النِّداءَ مُطالَبةٌ في المالِ، لا خَبَرٌ عن سَكينةِ الصَّدر. والماضي يُثبِتُ الاستِجابةَ التي صارَت عنوانَ الخِطاب، والنَّهيُ والأمرُ التاليانِ يَطلُبانِ منها أثراً حاضِراً، فالثِّقةُ عندَ النِّداءِ عَقدٌ ما زالَ عامِلاً في المُعامَلة. فهم يُنادَونَ بفِعلِ ثِقةٍ ينبغي أن يَحكُمَ ما يَأخذونَ وما يَترُكون، دونَ اسمِ جَماعةٍ موروثة.

«لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا»: النَّهيُ يَمنَعُ إدخالَ الزِّيادةِ في الحَوز

ودَخَلَت «لا» الناهيةُ على مضارعٍ جَمعيّ، فواجَهَتِ المخاطَبينَ بحَرَكةٍ قابلةٍ للوقوعِ وطَلَبَت إيقافَها. والأكلُ من أ-ك-ل قَطعٌ يَكتُمُ ويُمسِكُ ثمّ يَتَعَلَّقُ ويمتَدُّ في الحَوز، فيَصيرُ المأكولُ داخِلَ صاحِبِه أو مُلكِه. ومَفعولُ النَّهيِ الرِّبا، وهو من ر-ب-و: جَريانٌ يَحتَبِسُ تحتَ ضَغطٍ ثمّ يَتَّصِلُ في امتِداد، فيَحمِلُ زِيادةً تَعلو على أصلِها. والمَنهيُّ عنه في اللفظِ أكلُ هذه الزِّيادةِ نفسِها، أي إدخالُها في الحَوزِ كما يُدخَلُ الطَّعامُ في الجَوف، وإيثارُ فِعلِ الأكلِ على الأخذِ يَصِفُ الزِّيادةَ شيئاً يَستَهلِكُه صاحِبُه فيَصيرُ منه.

«أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً»: الزِّيادةُ تَأكُلُ نَفسَها بالتَّضاعُف

و«أضعافاً» حالٌ من الرِّبا أو بيانٌ لهيئتِه المَنهيِّ عنها، وهي جَمعٌ يَحمِلُ التَّكرُّرَ والتَّكاثُر. والضِّعفُ من ض-ع-ف ضَمٌّ ثقيلٌ يَظهَرُ من العُمقِ ثمّ يَفتَحُ شَقّاً، فيَصيرُ الشيءُ بإزاءِ مِثلِه ويتكرَّرُ المقدار. و«مضاعفة» اسمُ مفعولٍ مؤنَّثٌ يَتبَعُ الجَمعَ غيرَ العاقل، ويَحمِلُ وقوعَ التَّضعيفِ عليها، وصيغةُ المفاعلةِ تُبرِزُ إدخالَ ضِعفٍ في ضِعفٍ وتَبادُلَ الزِّيادةِ مع مَراحلِها. فاللفظُ يَعرِضُ التَّراكُمَ في هيئتِه: مِقدارٌ يَقَعُ عليه تَضعيف، ثمّ يَقَعُ على المُضاعَفِ تَضعيفٌ ثانٍ، حتى تَصيرَ الزِّيادةُ هي التي تَنمو دونَ الأصل.

«وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»: الوِقايةُ تَنقُلُ النَّهيَ إلى مَسارِ الفَلاح

وتَعطِفُ الواوُ أمراً إيجابيّاً على النَّهي: اتّقوا الله. وفي و-ق-ي وَصلٌ يَنعَقِدُ في العُمق، ثمّ يَمتَدُّ سارِياً حتى يَصيرَ حاجِزاً بينَ صاحِبِه وما يَضُرُّه، وبِناءُ الافتِعالِ يَجعَلُ المخاطَبينَ هُم صانِعي هذا الحاجِزِ عن قَصد، فالصَّونُ فِعلُهم، لا شيءٌ يَنزِلُ عليهم. والمَفعولُ اسمُ الله، فالحاجِزُ مَنصوبٌ في وَجهِ ما يُخالِفُ حَقَّه، لا في وَجهِ خَسارةٍ في المال. و«لعلّكم» تَفتَحُ الغايةَ في الفَلاح، وهو من ف-ل-ح: شَقٌّ يَمتَدُّ في تَعَلُّقٍ ثمّ يَنفُذُ خارِجاً من التضييق، والمضارعُ يَحمِلُ ازدهاراً يُرجى بالسَّيرِ في الوِقاية.


حَصيلة

يَستدعي النِّداءُ فِعلَ الإيمانِ ليَحمِلَ نَهياً عن أكلِ الرِّبا في هيئةِ أضعافٍ مُضاعفة. والجذورُ تَعرضُ حَرَكةً واضحة: أكلٌ يُدخِلُ الشيءَ في الحَوز، ورباً يَزيدُ على أصلِه، وأضعافٌ يَقَعُ عليها تَراكُمُ التَّضعيف، وهذه هي الحَرَكةُ التي نَهَت عنها الآيةُ بعَينِها: زِيادةٌ تُضاعَفُ ثمّ تُؤكَل. ثمّ تَفتحُ الآيةُ وَجهَها الإيجابيَّ بوِقايةِ الله ورَجاءِ الفَلاح، فيَصيرُ تَركُ الزِّيادةِ جزءاً من صَونٍ أوسَع.