آل عمران · الآية 151

﴿سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ۖ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ۚ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا ۖ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ ۚ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ

«سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ»: المستقبلُ يُدخِلُ الأثرَ في القلوب

افتُتِحَ الفعلُ بالسينِ فكانَ مستقبلاً، وأُسنِدَ إلى نونِ المتكلّمِ المعظِّم: سنُلقي. والإلقاءُ من ل-ق-ي، وأصلُه تعلّقٌ يَنعَقِدُ في العُمق، فيَحمِلُ إيصالَ الشيءِ إلى مَحلِّه. والظرفُ «في قلوب» يُعيّنُ الداخلَ مَكاناً، والقلوبُ من ق-ل-ب، وهو عقدٌ يَتعلّقُ بوجهٍ ويَتَّصلُ بآخر، فتَحمِلُ مراكزَ التقلّب. وأصحابُها يُعرِّفُهم فعلُ «كفروا»، والمفعولُ «الرعب» من ر-ع-ب، ومعناه جريانٌ يَظهَرُ من العُمقِ ويتَّصل، فهو اسمٌ لخوفٍ داخلٍ فيهم.

«بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ»: الإشراكُ يَرُدُّ الرُّعبَ إلى القلوب

والباءُ في «بما أشركوا» سببيّةٌ تَصِلُ الرعبَ بما فعلوه، وهو إشراكُهم بالله. والشِّركُ من ش-ر-ك، ومدارُه على حَصرٍ وضمٍّ يَجري نافذاً ثمّ يَدخُلُ تداخلاً غائراً، فيَحمِلُ جمعَ طرفٍ إلى طرف. وصيغةُ الماضي تُثبِتُ وقوعَ الفعل، وواوُ الجماعةِ تَردُّه إلى الذين كفروا أنفسِهم. وأمّا الباءُ الثانيةُ فتَربِطُ فعلَ الإشراكِ باسمِ الله، فمَحاورُ السببِ هي الفعلُ والفاعلُ والمتعلَّقُ المصرَّحُ بها.

«مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا»: ما لا سُلطانَ له يَحمِلُ وِزرَه

و«ما» عائدةٌ إلى الشيءِ المُشرَك، موصوفةٌ بنفيٍ ماضٍ هو: لم يُنزّل به سلطاناً. والتنزيلُ من ن-ز-ل، وأصلُه احتواءٌ يَتضاغطُ في مَضيقٍ ثمّ يَمتَدُّ متعلّقاً بمَحلّ، وصيغةُ التفعيلِ تَحمِلُ شحنةً مستدامةً متكرّرة، غيرَ أنّ «لم» تَنفي وقوعَها هنا. والسلطانُ من س-ل-ط، وهو حَصرٌ دقيقٌ يَمتَدُّ ثمّ يُطبِقُ بضغط، فيَحمِلُ معنى الحجّةِ ذاتِ القوّةِ النافذة، وهو مفعولُ التنزيلِ المنفيّ، فالإشراكُ الموصوفُ قائمٌ بإزاءِ سلطانٍ منزَّلٍ منتفٍ.

«وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ»: الرُّعبُ الباطِنُ يَنتهي إلى مَأوى النار

والواوُ مستأنِفةٌ لجملةٍ اسميّةٍ هي: مأواهم النار. والمأوى من أ-و-ي، ومعناه إطلاقٌ يَنعَقِدُ في احتواءٍ ثمّ يَمتَدُّ إلى مَحلٍّ يُرجَعُ إليه، فيَحمِلُ موضعَ لجوءٍ واستقرار. والضميرُ عائدٌ إلى الذين كفروا وأشركوا، فيَبقى المآلُ في أصحابِ الأفعال، والخبرُ «النار» يُسمّي المأوى مباشرةً. والانتقالُ في الآيةِ حادٌّ: يُلقى الرعبُ في القلوبِ في صدرِها، وتَظهرُ النارُ مأوى في آخرِ المسار.

«وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ»: الذمُّ يَختمُ المَقامَ بطبيعةِ الظلم

وعُطِفَت بالواوِ صيغةُ ذمٍّ فعلُها «بئس» وفاعلُها «مثوى». والمثوى من ث-و-ي، وأصلُه كثافةٌ دقيقةٌ تَنعَقِدُ في احتواءٍ ثمّ تَمتَدُّ إلى إقامة، فيَحمِلُ موضعَ لُبث، وقد أُضيفَ إلى «الظالمين». والظلمُ من ظ-ل-م، ومعناه غِطاءٌ يُطبِقُ على الشَّيءِ ويَحوزُه فيُمسِكُه في باطِنِه، فيَحبِسُ الحَقَّ عن صاحِبِه. واسمُ الفاعلِ المجموعُ يَحمِلُ طبيعةً فاعلةً مستمرّةً في الظلم، والذمُّ في الصيغةِ عائدٌ إلى مثوى أصحابِ هذه الطبيعة.


حَصيلة

تَعِدُ السينُ بإلقاءِ الرعبِ في قلوبِ الذين عرّفَهم فعلُ الكفر، والباءُ تَربِطُ ذلك بإشراكِهم بالله ما لم يُنزَّل به سلطان، والنفيُ يَحفظُ الحُجّةَ في موضعِها، أي لا سلطانَ منزَّلاً للشيءِ المُشرَك. ثمّ تَنقُلُ الجملةُ المسارَ من أثرٍ في القلبِ إلى مأوى هو النار، وتَختِمُ بذمِّ مثوى الظالمينَ أصحابِ طبيعةِ الحَجبِ المستمرّة، فالمآلُ مبنيٌّ من داخلِ الآيةِ بالأفعالِ والروابطِ المصرَّحِ بها.