آل عمران · الآية 76

﴿بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَىٰ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَىٰ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ

«بَلَىٰ»: الجَوابُ يَنقُضُ الدَّعوى ويُعيدُ الميزان

تَفتَحُ «بلى» الآيةَ جَواباً على قولِهم السّابقِ «ليس علينا ... سبيل»، وهي تَنقُضُ النَّفيَ وتُثبِتُ ما حاوَلَ القولُ إسقاطَه، ولا تَستأنِفُ موضوعاً بعيداً. وبذلك يَتحَوَّلُ المَسارُ من تَبريرٍ يَربِطُ الأَمانةَ بهُويّةِ الطَّرَفِ الآخَر، إلى قاعِدةٍ تبدأُ بـ«مَن» فتَفتَحُها لكلِّ مَن يَحمِلُ الفِعل. و«بلى» لا تَحتاجُ إلى سَردٍ طويل، ومَوقعُها بعدَ الادِّعاءِ يَجعَلُها قَطعاً يَرفُضُ الإعفاءَ ويُعيدُ الميزانَ إلى العَهدِ والتَّقوى.

«مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ»: المِعيارُ إكمالُ ما ارتَبَطَ به صاحِبُه

و«مَن» شَرطيّةٌ عامّة، تُعرِّفُ صاحبَها بفِعلِ الوفاء. والوفاءُ من و-ف-ي: إحاطةٌ تَنفُذُ في المَحلِّ وتَبلُغُه كلَّه، ثمّ تَمتَدُّ إلى التَّمام. والعَهدُ من ع-ه-د، وهو ظُهورٌ من العُمقِ يَفتَحُ مَجرىً يَجري فيه النَّفَس، ثمّ يَثبُتُ تحتَ ضَغطٍ واستِقرار، فهو رابِطةٌ حاضِرةٌ مَضبوطة. والباءُ تَصِلُ الإيفاءَ بالعَهد، والضَّميرُ يَربِطُ كلَّ صاحبٍ بعَهدِه، فالقاعِدةُ تَسألُ عن تمامِ ما التَزَمَه المؤتَمَن، ولا تَسألُ عن اسمِ مَن أُعطِيَ الحقّ.

«وَاتَّقَىٰ»: الوفاءُ يَصحَبُه حِفظٌ مُتَّجِه

وتَعطِفُ الواوُ التَّقوى على الوفاء، فلا يَستَقِلُّ أحدُهما عن الآخَرِ في الشَّرط. والوِقايةُ من و-ق-ي: إحاطةٌ تَنعَقِدُ في العُمقِ وتَشتَدُّ حولَ المَحل، ثمّ تَمتَدُّ في لِينٍ وسَريانٍ تَحفَظُه، وصيغةُ الافتِعالِ تُدخِلُ الفاعِلَ في عَمَلِ الحِفظِ وتَجعَلُه قاصِداً إليه. وجاءَ الفِعلُ ماضياً مثلَ «أوفى»، فأثبَتَ اكتمالَ الحَرَكَتَينِ في مَقامِ الشَّرط. والتَّقوى في هذا الشَّرطِ حِفظٌ يَصحَبُ أداءَ العَهدِ فيَمنَعُه من أن يَصيرَ حَرَكةً ظاهِرةً بلا داخِل، ولذلك قُرِنَت بالوَفاءِ في الجُملةِ نفسِها، فصارَ الشَّرطُ فِعلَينِ لا فِعلاً واحِداً.

«فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ»: الجَوابُ يَنقُلُ الفِعلَ إلى المَحبّة

وفاءُ الجَوابِ تَربِطُ الشَّرطَ بتَوكيدِ «إنّ الله». والحُبُّ من ح-ب-ب، وهو احتِواءٌ يَتَّصِلُ ويَتمَسَّكُ بالمَحبوب، ثمّ يُضاعِفُ الحَرفُ المُكَرَّرُ الصِّلةَ ويُحكِمُها. ومَفعولُ الحُبِّ «المتقين»، لا اسمُ جَماعةٍ أو نَسَب، وهو اسمُ فاعِلٍ يَجعَلُ التَّقوى طبيعةً فاعِلةً مُستَمِرّةً في مَن حَمَلوها. وهكذا يَعودُ فِعلُ «اتقى» من الشَّرطِ في صورةِ اسمٍ يَستَقِرُّ عليه الحُبّ، فيَربِطُ الجَوابُ بينَ الحِفظِ المَقصودِ والصِّلةِ الإلهيّةِ المُحكَمة.


حَصيلة

تَنقُضُ «بلى» الادِّعاءَ الذي أَسقَطَ السَّبيلَ، ثمّ تُقيمُ مَكانَه قاعِدةً لا تَتَعَلَّقُ بهُويّةِ صاحِبِ الحقّ، فمَن أَكمَلَ عَهدَه إلى التَّمامِ وحَفِظَ نَفسَه في التَّقوى دَخَلَ تحتَ الجَواب. وتأتي الفاءُ بتَوكيدِ مَحبّةِ الله للمتقين، دونَ جَزاءٍ مادّيٍّ مُفَصَّل. فالعَهدُ يَخرُجُ من التَّبريرِ إلى الأداء، والتَّقوى تَخرُجُ من فِعلٍ ماضٍ إلى طبيعةٍ فاعِلةٍ مُستَمِرّة، والحُبُّ يَتَّصِلُ بهذه الطَّبيعةِ لا باسمِ جَماعة.