النساء · الآية 28

﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا

«يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ»: حِملٌ يُرفَعُ عن الظُّهور

تُتِمُّ الآيةُ سِلسِلةَ الإراداتِ بِثالِثَتِها: «يُريدُ اللهُ أن يُخَفِّفَ عَنكُم». والتَّخفيفُ من خ-ف-ف، والخِفّةُ نُقصانُ ما يُثقِلُ الشَّيء، والتَّضعيفُ فيه يَجعَلُه فِعلاً يَقَعُ على الحِملِ فيُنقِصُه، و«عَن» تَجعَلُه رَفعاً لِما كانَ على المُخاطَبين. وفي البَقَرةِ يُسَمّى ما فُتِحَ من سَعةٍ في الحُكمِ بِهذا الاسم: ذَٰلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾، ويَقتَرِنُ فيها فِعلُ الإرادةِ بِاليُسر: يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾.

وفي الآياتِ السّابِقةِ ما يُرى فيه هذا التَّخفيف: بابٌ فُتِحَ لِمَن قَصُرَ طَولُه، وحِملٌ جُعِلَ على الفَتَياتِ نِصفَ ما على غَيرِهِنّ، وما سَلَفَ استُثنِيَ من التَّحريم. وفي آخِرِ البَقَرةِ دُعاءٌ يَسأَلُ ألّا يُحمَلَ على الدّاعينَ ما حُمِلَ على مَن قَبلَهُم: وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا﴾، والسّورةُ هُنا، بَعدَ أن ذَكَرَت سُنَنَ «الذينَ من قَبلِكُم»، تُعلِنُ إرادةَ التَّخفيف.

«وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا»: ضَعفٌ في أصلِ الصُّنع

ثُمَّ عُطِفَ على الإرادةِ ما يُفهَمُ مِنه وَجهُها: «وخُلِقَ الإنسانُ ضَعيفاً». والفِعلُ مَبنِيٌّ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه، فانصَرَفَ الكَلامُ إلى المَخلوقِ وهَيئَتِه، والخالِقُ مَعروفٌ من سِياقِ الآياتِ كُلِّها. والخَلقُ من خ-ل-ق، تَقديرٌ يَنفُذُ في المادّةِ ويَعقِدُها هَيئةً، و«ضَعيفاً» وَصفٌ لِحالِ المَخلوقِ ساعةَ خَلقِه، فالضَّعفُ في الآيةِ مَعقودٌ في الهَيئةِ الأولى، وُجِدَ مَعَ وُجودِ الإنسان.

والضَّعفُ من ض-ع-ف، والجِذرُ يَجمَعُ الضَّعفَ والضِّعف: بِنيةٌ مُلتَحِمةٌ فيها شَقٌّ تُؤتى مِنه، ومِثلٌ يُضَمُّ إلى مِثلِه فيَنفَرِجُ عَنه عَدَداً. والإنسانُ من أ-ن-س، مُعَرَّفٌ بِأل التي تَستَغرِقُ الجِنس، فالحُكمُ على كُلِّ مَن يَحمِلُ هذا الاسم. وقد وَصَفَتِ السّورةُ بِالجِذرِ نَفسِه ذُرِّيّةً يُخشى عَلَيها: ذُرِّيَّةً ضِعَافًا﴾، ووَصَفَت بِه كَيدَ الشَّيطان: إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾، فالجِذرُ في السّورةِ يَصِفُ مَن يُخشى عَلَيه، ويَصِفُ ما لا يُخشى مِنه.

«يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ ۚ وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا»: تَخفيفٌ على قَدرِ الصُّنع

فالآيةُ جُملَتانِ مُتَجاوِرَتان: إرادةٌ في الأولى، ووَصفٌ لِلخَلقِ في الثّانية، والواوُ تَجمَعُهُما فيُقرَأُ التَّخفيفُ على قَدرِ الضَّعف. ويَقَعُ هذا الضَّعفُ في السّياقِ بَعدَ ذِكرِ الشَّهَواتِ والمَيلِ العَظيم، وبَعدَ آيةٍ جَعَلَتِ الصَّبرَ خَيراً وفَتَحَتِ البابَ لِمَن خَشِيَ العَنَت، فهو أقرَبُ ما يَكونُ إلى ضَعفِ النَّفسِ أمامَ ما تَنزِعُ إلَيه.

وبِهذه الآيةِ تَنتَهي الإراداتُ الثَّلاث: بَيانٌ وهِدايةٌ وتَوبةٌ في الأولى، وتَوبةٌ تُواجِهُ المَيلَ في الثّانية، وتَخفيفٌ في الثّالِثة، والثّالِثةُ وَحدَها قُرِنَت بِوَصفٍ لِلإنسانِ نَفسِه. فالحُدودُ التي سَبَقَت صادِرةٌ عن إرادةٍ تَعرِفُ صُنعَ مَن تُخاطِبُه، وتَزِنُ ما تُحَمِّلُه بِما يُطيقُه.


حَصيلة

تَختِمُ الآيةُ سِلسِلةَ الإراداتِ بِالتَّخفيف، من خ-ف-ف، رَفعاً لِما يُثقِلُ المُخاطَبين، وقد ظَهَرَ في الآياتِ السّابِقةِ بابٌ مَفتوحٌ لِمَن قَصُرَ طَولُه، ونِصفٌ من الحِملِ لِلفَتَيات، واستِثناءٌ لِما سَلَف. ثُمَّ تَقرِنُ بِالإرادةِ خَبَراً عن الخَلق: «وخُلِقَ الإنسانُ ضَعيفاً»، بِفِعلٍ يَنصَرِفُ إلى المَخلوقِ وهَيئَتِه، والضَّعفُ من ض-ع-ف بِنيةٌ مُلتَحِمةٌ فيها شَقٌّ تُؤتى مِنه، مَعقودٌ في الخِلقةِ الأولى، يَقَعُ في السّياقِ قَريباً من الشَّهَواتِ والمَيل. فالتَّخفيفُ يَجري على قَدرِ الضَّعف، والإرادةُ التي فَصَّلَتِ الحُدودَ تَعرِفُ صُنعَ مَن تُخاطِبُه.