النساء · الآية 26

﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ

«يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ»: إرادةٌ تُعلَنُ بَعدَ الحُدود

بَعدَ آياتٍ عَدَّدَت ما حُرِّمَ وما أُحِلَّ وما يُؤتى وما يُصبَرُ عَنه، يَرتَفِعُ الكَلامُ من التَّفصيلِ إلى الإرادةِ التي وَراءَه: «يُريدُ الله». والإرادةُ من ر-و-د، ومنه «الرّائد» الذي يَتَقَدَّمُ القَومَ يَطلُبُ لَهُم مَوضِعَ الكَلأ، فهي قَصدٌ يَتَّجِهُ إلى غايةٍ ويَسعى إلَيها. وهذا الفِعلُ في صَدرِ ثَلاثِ آياتٍ مُتَتابِعة، هذه والتي تَليها والتي بَعدَها، فالسّورةُ تُسَمّي بَعدَ الأحكامِ ما يُرادُ بِها.

وأوَّلُ ما يُريدُه: «لِيُبَيِّنَ لَكُم». والتَّبيينُ من ب-ي-ن، والبَينُ الفاصِلُ بَينَ شَيئَين، فالبَيانُ إظهارُ الشَّيءِ مُنفَصِلاً عمّا يَختَلِطُ بِه حتّى يُرى وَحدَه، والتَّضعيفُ في «يُبَيِّنَ» يُكَثِّرُ هذا الفَصل. وقد جَرى في الآياتِ السّابِقةِ فَصلٌ بَعدَ فَصل: ما حُرِّمَ مِمّا أُحِلّ، والمُحصِنُ من المُسافِح، والفَريضةُ مِمّا يُتَراضى عَلَيه بَعدَها. وجاءَ الفِعلُ بَعدَ «يُريدُ» بِاللّامِ هُنا، وبِـ«أن» في الآيَتَينِ بَعدَها، واللّامُ تُوَجِّهُ الإرادةَ إلى غايةٍ يُفضي إلَيها ما قَبلَها: ما فُصِّلَ من الحُدودِ أُريدَ بِه البَيان. وأُطلِقَ «يُبَيِّنَ» عن ذِكرِ ما يُبَيَّن، فالبَيانُ يَشمَلُ ما سَبَقَ وما سيَأتي.

«وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ»: طُرُقٌ وَطِئَتها أقدامٌ سابِقة

والثّاني: «ويَهدِيَكُم سُنَنَ الذينَ من قَبلِكُم». والهِدايةُ من ه-د-ي، تَقَدُّمٌ يَمضي أمامَ السّائرِ فيُمضيه في طَريقِه، ومنه «الهادي» لِلمُتَقَدِّمِ الذي يَدُلّ، و«هَوادي الخَيلِ» أعناقُها المُتَقَدِّمة. وتَعَدّى الفِعلُ هُنا إلى الطُّرُقِ نَفسِها: «يَهدِيَكُم سُنَنَ»، فالهِدايةُ إمضاءٌ لِلمُخاطَبينَ في طُرُقٍ بِعَينِها. والسُّنَنُ جَمعُ سُنّة، من س-ن-ن، وسَنَنُ الطَّريقِ نَهجُه الذي وَطِئَتهُ الأقدامُ حتّى استَبان، ومنه «سَنَّ الحَديدةَ» إذا أمَرَّها على المِسَنِّ مِراراً حتّى حَدَّت.

و«الذينَ من قَبلِكُم» يُعرَفونَ في الآيةِ بِسَبقِهِم وَحدَه، فالطُّرُقُ التي يُهدى إلَيها المُخاطَبونَ طُرُقٌ مَشاها غَيرُهُم قَبلَهُم، وما فُصِّلَ في هذه الآياتِ مَوصولٌ بِمَسالِكَ قَديمةٍ مَسلوكة. وفي آلِ عِمرانَ يَجتَمِعُ اللَّفظانِ في خَبَرٍ عن الماضي: قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ﴾، والسُّنَنُ هُناكَ مَسالِكُ مَضَت يُنظَرُ في عَواقِبِها، وهي هُنا طُرُقٌ يُهدى إلَيها المُخاطَبون.

«وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ ۗ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ»: رُجوعٌ يَلي البَيانَ والهِداية

والثّالِث: «ويَتوبَ عَلَيكُم». والتَّوبةُ من ت-و-ب، رُجوعٌ يَعقُبُ إفلاتاً، و«تابَ عَلَيه» رَجَعَ إلَيه بِالعَطف، و«على» تَجعَلُ هذا الرُّجوعَ نازِلاً على المُخاطَبينَ من عُلُوّ. وجاءَتِ الثَّلاثةُ على تَرتيب: بَيانٌ يَكشِفُ الطَّريق، وهِدايةٌ تُمضي فيه، وتَوبةٌ تَرجِعُ عَلَيهِم بَعدَهُما. وفي طه يَقتَرِنُ فِعلا التَّوبةِ والهِدايةِ في آيةٍ واحِدة: فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ﴾.

وخُتِمَت بِـ«واللهُ عَليمٌ حَكيم»، وقد خُتِمَت آيةُ التَّوبةِ في هذه السّورةِ بِالاسمَينِ نَفسَيهِما: فَأُولَٰئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ۗ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾. والعَليمُ من ع-ل-م، والحَكيمُ من ح-ك-م، فالإرادةُ التي تُعلِنُها الآيةُ صادِرةٌ عن عِلمٍ بِما يُبَيَّنُ وبِمَن يُهدى، وعن حِكمةٍ تَضَعُ الطُّرُقَ في مَواضِعِها وتُمسِكُ السّالِكَ عَلَيها.


حَصيلة

تَرتَفِعُ الآيةُ من تَفصيلِ الحُدودِ إلى الإرادةِ التي وَراءَها، وتَفتَتِحُ بِـ«يُريدُ» سِلسِلةً من ثَلاثِ آيات. وأوَّلُ المُرادِ بَيانٌ من ب-ي-ن يَفصِلُ الشَّيءَ عمّا يَختَلِطُ بِه، جاءَ بِاللّامِ فتَوَجَّهَ إلى غايةٍ يُفضي إلَيها ما سَبَقَ من التَّفصيل، ثُمَّ هِدايةٌ من ه-د-ي تُمضي المُخاطَبينَ في سُنَن، والسُّنَنُ من س-ن-ن طُرُقٌ وَطِئَتها أقدامُ الذينَ من قَبلِهِم، ثُمَّ تَوبةٌ من ت-و-ب تَرجِعُ عَلَيهِم. وتَختِمُ بِالعِلمِ والحِكمة، الاسمَينِ اللَّذَينِ خُتِمَت بِهِما آيةُ التَّوبةِ من قَبل، فالحُدودُ التي فُصِّلَت يُرادُ بِها أن تُرى، وأن يُسلَكَ بِها طَريقٌ مَسلوك، وأن يُرجَعَ فيها على مَن يَسلُكُه.