النساء · الآية 99

﴿فَأُولَٰئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَأُولَٰئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا

«فَأُولَٰئِكَ»: إشارةٌ تُقابِلُ إشارة

تَصِلُ الفاءُ هذه الآيةَ بِالاستِثناءِ قَبلَها، و«أولئك» تُشيرُ إلى أقرَبِ مَن ذُكِر: المُستَضعَفينَ الذينَ لا يَستَطيعونَ حيلةً ولا يَهتَدونَ سَبيلاً. وقد افتُتِحَ الحُكمُ في الآيةِ السّابِعةِ والتِّسعينَ بِاللَّفظِ نَفسِه: «فأولئك مأواهم جهنم»، ويُفتَتَحُ هُنا بِـ«فأولئك» ثانِيةً، فالإشارَتانِ مُتَقابِلَتان: الأولى لِمَن كانَتِ الأرضُ واسِعةً أمامَهُم فلم يَنتَقِلوا، والثّانيةُ لِمَن ضاقَت بِهِمُ الحيلةُ والسَّبيل، ولِكُلٍّ مِنهُما خَبَرُه.

«عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ»: رَجاءٌ مَعقودٌ بِاسمِ الله

وخَبَرُ «أولئك» هُنا جُملةُ «عَسى»: «عَسى اللهُ أن يَعفُوَ عَنهُم». و«عَسى» من ع-س-ي، أمرٌ يَقتَرِبُ من الخُروجِ في مَضيقٍ ولم يَخرُجْ بَعد، فهي كَلِمةُ رَجاءٍ لِما يُتَوَقَّعُ وُقوعُه. وقد عُقِدَ الرَّجاءُ في الآيةِ بِاسمِ الله، فاسمُ الجَلالةِ اسمُ «عَسى»، و«أن يَعفُوَ» فِعلٌ مَسبوكٌ مَعَ «أنْ» في مَوضِعِ خَبَرِها، فالعَفوُ عَنهُم مَرجُوٌّ من الله. والعِبارةُ تُبقي الأمرَ في صيغةِ الرَّجاء، وتَضَعُه في يَدِ مَن يُرجى.

والعَفوُ من ع-ف-و، أثَرٌ يُفَرَّقُ ويُبعَدُ حتّى يَخلُوَ مَوضِعُه، يُقالُ «عَفَتِ الرّيحُ الأثَرَ» إذا مَحَتهُ فلم يَبقَ لَه رَسم. و«عَنهُم» تَجعَلُ العَفوَ مُجاوَزةً تَمُرُّ عَنهُم فلا تَقِفُ عِندَ ما عَلَيهِم. والعَفوُ يَقتَضي شَيئاً يُعفى عَنه، وما يُعفى عَنه في هذه الآيةِ مَفتوح، فالرَّجاءُ مُعَلَّقٌ بِالعَفوِ نَفسِه، لِمَنِ اجتَمَعَ فيهِم فَقدُ الحيلةِ وفَقدُ السَّبيل.

«وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا»: صِفةٌ ثابِتةٌ يَستَنِدُ إلَيها الرَّجاء

ثُمَّ خُتِمَتِ الآيةُ بِاسمَين، أوَّلُهُما من جِذرِ الفِعلِ المَرجُوِّ نَفسِه: «يَعفُوَ» ثُمَّ «عَفُوّاً»، فالرَّجاءُ الذي عُقِدَ بِـ«عَسى» يَستَنِدُ إلى صِفةٍ قائمةٍ في المَرجُوّ، و«كانَ» تُثبِتُها ثَباتاً غَيرَ مُقَيَّدٍ بِزَمَن. و«عَفُوّ» على «فَعول» يَدُلُّ على كَثرةِ المَحو، و«غَفور» من غ-ف-ر، غِطاءٌ كَثيفٌ يَسري على الشَّيءِ ويُمسِكُ عَلَيه فيَحميه، وهو على «فَعول» أيضاً، فالاسمانِ بِناءا كَثرةٍ يَقَعانِ على الأثَرِ من جِهَتَين: مَحوٌ يُذهِبُه، وسِترٌ يُغَطّيه.

وقد خُتِمَتِ الآيةُ الثّالِثةُ والأربَعونَ بِالاسمَينِ نَفسَيهِما على هذا التَّرتيب: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا﴾، ولا يَجتَمِعانِ مَنصوبَينِ في غَيرِ هاتَينِ الآيَتَين، وهُما هُناكَ خِتامُ آيةٍ فَتَحَت طَريقاً لِمَن لم يَجِدِ الماء، وهُنا خِتامُ رَجاءٍ لِمَن لم يَجِدْ حيلةً ولا سَبيلاً، فالاسمانِ في المَوضِعَينِ يَأتِيانِ بَعدَ فَقد.


حَصيلة

تُشيرُ الآيةُ بِـ«فأولئك» إلى المُستَثنَينَ في الآيةِ قَبلَها، فتُقابِلُ «فأولئك» التي افتُتِحَ بِها الحُكمُ في الآيةِ السّابِعةِ والتِّسعين، وتَجعَلُ خَبَرَهُم رَجاءً مَعقوداً بِاسمِ الله: «عَسى اللهُ أن يَعفُوَ عَنهُم». و«عَسى» من ع-س-ي أمرٌ يَقتَرِبُ من الخُروجِ ولم يَخرُجْ بَعد، والعَفوُ من ع-ف-و أثَرٌ يُفَرَّقُ حتّى يَخلُوَ مَوضِعُه، وما يُعفى عَنه مَفتوحٌ في الآية. ثُمَّ تُسنِدُ الرَّجاءَ إلى صِفَتَينِ قائمَتَين، «عَفُوّاً غَفوراً»، مَحوٍ كَثيرٍ وسِترٍ كَثير، وهُما الاسمانِ اللَّذانِ خُتِمَت بِهِما الآيةُ الثّالِثةُ والأربَعونَ بَعدَ فَقدِ الماء، ويُختَمُ بِهِما هُنا بَعدَ فَقدِ الحيلةِ والسَّبيل.