النساء · الآية 100

﴿۞ وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ۚ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

۞ وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً ۚ وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا

«وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ»: شَرطٌ جَوابُه وِجدان

بَعدَ الحُكمِ على مَن لم يُهاجِر، والاستِثناءِ لِمَن لم يَستَطِع، تَأتي الآيةُ بِشَرطَينِ يَتَكَلَّمانِ عن المُهاجِرِ نَفسِه. الأوَّل: «ومَن يُهاجِرْ في سَبيلِ اللهِ يَجِدْ في الأرضِ مُراغَماً كَثيراً وسَعةً»، و«مَن» شَرطيّةٌ جَزَمَت فِعلَها «يُهاجِرْ» وجَوابَه «يَجِدْ»، فالوِجدانُ مَعقودٌ بِالهِجرةِ عَقدَ الجَوابِ بِشَرطِه. والهِجرةُ من ه-ج-ر، تَركُ مَوضِعٍ يُفرِغُه صاحِبُه إلى مَوضِعٍ يَجتَمِعُ فيه مَعَ غَيرِه، وقد قُيِّدَت بِـ«في سَبيلِ الله»، فهي هِجرةٌ في مَسلَكٍ بِعَينِه. و«في الأرضِ» هي الأرضُ التي قالَتِ المَلائكةُ في الآيةِ السّابِعةِ والتِّسعينَ إنَّها واسِعة، فالآيةُ تُجيبُ ذلك السُّؤالَ بِخَبَر: مَن هاجَرَ وَجَد.

«مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً»: مَواضِعُ تُنزَلُ على رَغمِ طَرَف، وسَعةٌ تُوجَد

و«مُراغَماً» من ر-غ-م، ولا تَرِدُ مادَّتُه في الكِتابِ إلّا في هذه الكَلِمة. و«الرَّغام» التُّرابُ اللَّيِّن، و«أرغَمَ أنفَه» ألصَقَه بِالرَّغام، ثُمَّ قيلَ لِما يَقَعُ على كُرهٍ من صاحِبِه: «على رَغمِه»، و«راغَمَ فُلاناً» فارَقَه وخالَفَه على كُرهٍ مِنه. و«المُراغَم» على «مُفاعَل» اسمٌ لِلمَوضِعِ الذي تَجري فيه هذه المُراغَمة، والمُفاعَلةُ تَقتَضي طَرَفاً آخَرَ يُراغَم. فالمُهاجِرُ يَجِدُ في الأرضِ مَواضِعَ يَنزِلُها، فيَكونُ نُزولُه فيها مُراغَمةً لِطَرَفٍ تَرَكَه وَراءَه، و«كَثيراً» تَجعَلُ هذه المَواضِعَ مُتَعَدِّدةً في الأرضِ غَيرَ مَحصورةٍ في مَوضِعٍ واحِد.

و«سَعةً» من و-س-ع، الجِذرِ الذي سُئِلَ بِه المَأخوذونَ في الآيةِ السّابِعةِ والتِّسعين: «ألم تَكُن أرضُ اللهِ واسِعةً»، فما جاءَ هُناكَ سُؤالاً لِمَن لم يُهاجِر جاءَ هُنا وِجداناً لِمَن هاجَر. والسَّعةُ مُطلَقةٌ في الآيةِ بِلا قَيد، تَحتَمِلُ سَعةَ المَكانِ وسَعةَ العَيشِ وسَعةَ الأمرِ كُلِّه، والآيةُ تَترُكُها على إطلاقِها.

«وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ»: خُروجٌ غايَتُه وِجهة

والشَّرطُ الثّاني أخَصُّ من الأوَّل: «ومَن يَخرُجْ من بَيتِه مُهاجِراً إلى اللهِ ورَسولِه». والخُروجُ من خ-ر-ج، أن يَنفُذَ المَرءُ من الحَيِّزِ الذي يَحويه إلى ما وَراءَه حتّى يَبرُزَ مَكشوفاً، والحَيِّزُ هُنا «بَيتُه»، والبَيتُ مَوضِعُ المَبيت، أقرَبُ ما يُحيطُ بِالمَرءِ ويَنقَطِعُ فيه عمّا وَراءَه، فالخُروجُ يَبدَأُ من أشَدِّ المَواضِعِ لُصوقاً بِصاحِبِه. و«مُهاجِراً» حالٌ تُلازِمُ الخُروج: يَخرُجُ وهو في هِجرَتِه.

وقد تَبَدَّلَ الحَرفُ الذي يَحمِلُ الجِهة: في الشَّرطِ الأوَّلِ «في سَبيلِ الله»، وفي الثّاني «إلى اللهِ ورَسولِه»، و«إلى» لِانتِهاءِ الغاية، فغايةُ هذا الخُروجِ اللهُ ورَسولُه، وهي غايةٌ لا تَحُدُّها أرض. فالهِجرةُ في هذا الشَّرطِ تُقاسُ بِوِجهَتِها من أوَّلِ خُطوة، وبِهذا يُفهَمُ ما يَليه.

«ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ»: مَوتٌ يَلحَقُ السّائر، وأجرٌ يَقَعُ في قَرارِه

ويَأتي بَعدَ الخُروج: «ثُمَّ يُدرِكْهُ المَوت»، والإدراكُ من د-ر-ك، سَعيٌ نافِذٌ يَجري إلى جِهَتِه حتّى يَلحَقَ ما أمامَه ويَلتَقيَ بِه، فالمُهاجِرُ سائرٌ يَتَقَدَّم، والمَوتُ يَلحَقُه فيَأخُذُه في طَريقِه. والمَوتُ من م-و-ت، امتِدادٌ يُقطَعُ عِندَ تَمامِه، فالعُمُرُ بَلَغَ تَمامَه فقُطِع، والطَّريقُ لم يَبلُغْ آخِرَه. و«ثُمَّ» تَجعَلُ بَينَ الخُروجِ والمَوتِ مُهلةً غَيرَ مُقَدَّرة. وقد جاءَ الفِعلُ نَفسُه مُسنَداً إلى المَوتِ في الآيةِ الثّامِنةِ والسَّبعين: أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ﴾، فالمَوتُ يُدرِكُ المُقيمَ والسّائرَ جَميعاً، ويَفتَرِقانِ في المَوضِعِ الذي يَأخُذُهُما فيه.

وجَوابُ الشَّرط: «فقَد وَقَعَ أجرُه على الله». و«قد» مَعَ الماضي تُثبِتُ الوُقوعَ وتُحَقِّقُه، والوُقوعُ من و-ق-ع، شَيءٌ يَمتَدُّ مَسارُه حتّى يَنعَقِدَ في قَرارِه فيَلتَحِمَ بِه، ومنه «وَقَعَ الطّائرُ» نَزَلَ واستَقَرّ. فكأنَّ الأجرَ كانَ يَسيرُ مَعَ المُهاجِرِ في طَريقِه، فلَمّا قُطِعَ الطَّريقُ نَزَلَ في مَوضِعٍ واحِد: «على الله»، و«على» تَجعَلُه حَقّاً ثابِتاً عِندَه. والأجرُ من أ-ج-ر، مِقدارٌ يَجتَمِعُ لِلعامِلِ على ما عَمِلَ ثُمَّ يُؤَدّى إلَيه، وقد وَقَعَ هُنا قَبلَ أن يَبلُغَ صاحِبُه غايَتَه.

وتَضَعُ الآيةُ هذا المَوتَ في مُقابِلِ ما في الآيةِ السّابِعةِ والتِّسعين: هُناكَ تَأخُذُ المَلائكةُ قَوماً في المَوضِعِ الذي لم يَبرَحوه، وهُنا يُدرِكُ المَوتُ مَن خَرَجَ في طَريقِه، فالمَقطَعُ يَعرِضُ مَوتَين: مَوتَ مَن لم يَخرُج، ومَوتَ مَن خَرَجَ فلم يَبلُغ. ثُمَّ خُتِمَتِ الآيةُ بِالخاتِمةِ التي خُتِمَت بِها الآيةُ السّادِسةُ والتِّسعون: «وكانَ اللهُ غَفوراً رَحيماً».


حَصيلة

تُتِمُّ الآيةُ ما بَدَأَه سُؤالُ المَلائكة: مَن يُهاجِرْ في سَبيلِ اللهِ يَجِدْ في الأرضِ مُراغَماً كَثيراً، مَواضِعَ يَنزِلُها على رَغمِ طَرَفٍ تَرَكَه، ويَجِدْ سَعةً من الجِذرِ الذي سُئِلَ بِه مَن لم يُهاجِر، مُطلَقةً بِلا قَيد. ثُمَّ تَخُصُّ مَن يَخرُجُ من بَيتِه، أقرَبِ ما يُحيطُ بِه، مُهاجِراً إلى اللهِ ورَسولِه، فتَكونُ غايَتُه وِجهةً لا تَحُدُّها أرض، فإن أدرَكَه المَوتُ في طَريقِه، وهو امتِدادُ عُمُرٍ قُطِعَ عِندَ تَمامِه، فقد وَقَعَ أجرُه على اللهِ ونَزَلَ عِندَه ثابِتاً قَبلَ أن يَبلُغ. فيَعرِضُ المَقطَعُ مَوتَين، مَوتَ مَن لم يَخرُج ومَوتَ مَن خَرَج، ويَختِمُ بِالاسمَينِ اللَّذَينِ خُتِمَت بِهِما الآيةُ السّادِسةُ والتِّسعون.