النساء · الآية 98

﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا

«إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ»: استِثناءٌ يَأخُذُ كَلِمةَ العُذرِ نَفسَها

تَبدَأُ الآيةُ بِـ«إلّا»، فهي استِثناءٌ من الحُكمِ الذي خُتِمَت بِه الآيةُ قَبلَها: «فأولئك مأواهم جهنم». والمُستَثنَونَ سُمّوا بِالكَلِمةِ التي قالَها المَأخوذونَ في الحِوار: «مُستَضعَفين»، فالآيةُ تَأخُذُ العُذرَ الذي قيلَ هُناك، وتُبقيه لِمَن يَصدُقُ عَلَيه، ثُمَّ تَحُدُّه بِوَصفَين. و«المُستَضعَفينَ» هُنا مُعَرَّفٌ بِـ«أل»، والوَصفُ الذي يَليه يَقصُرُ الاسمَ على مَن يَصدُقُ عَلَيه.

والاستِضعافُ من ض-ع-ف، والضَّعفُ في حُروفِه بِنيةٌ مُلتَحِمةٌ يَنشَقُّ فيها مَوضِعٌ فتَقِلُّ قُوَّتُها، و«استَضعَفَ» على «استَفعَلَ» أن يَجِدَ المَرءُ في غَيرِه هذا الشَّقَّ فيُعامِلَه على قَدرِه، و«المُستَضعَفون» مَن وُجِدَ فيهِمُ الشَّقُّ ووَقَعَت عَلَيهِمُ المُعامَلةُ بِه. والوَصفُ بِتَمامِه، «المُستَضعَفينَ مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلدان»، قد مَرَّ في الآيةِ الخامِسةِ والسَّبعين، ولا يَرِدُ في الكِتابِ إلّا في هذَينِ المَوضِعَين، وفي تِلكَ الآيةِ يَقولُ المَوصوفونَ بِه: رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾، فالوَصفُ في المَوضِعَينِ مَربوطٌ بِالخُروجِ من مَكان: هُناكَ دُعاءٌ بِه، وهُنا عَجزٌ عَنه.

«مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ»: ثَلاثةُ أصنافٍ في استِثناءٍ واحِد

ثُمَّ بُيِّنَ المُستَضعَفونَ بِـ«مِن»: «مِنَ الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلدان»، فدَخَلَ في الاستِثناءِ كُلُّ مَن صَدَقَ عَلَيه الوَصفُ من الأصنافِ الثَّلاثة. والوِلدانُ جَمعُ وَليد، من و-ل-د، ما يَخرُجُ من الذّاتِ ويَظَلُّ مَوصولاً بِها، فهُمُ الصِّغارُ الذينَ ما زالوا في كَنَفِ مَن وَلَدَهُم، يَنتَقِلونَ بِانتِقالِه ويُقيمونَ بِإقامَتِه. وذِكرُهُم في الاستِثناءِ إلى جانِبِ الرِّجالِ والنِّساءِ يُدخِلُ في الحِسابِ مَن لا يَملِكُ قَرارَ الخُروجِ أصلاً، فالاستِثناءُ يَبدَأُ بِمَن قد يَملِكُ أمرَه ويَنتَهي بِمَن لا يَملِكُه.

«لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً»: مَنفَذٌ لا يَنقادُ لَهُم

ثُمَّ وُصِفوا بِوَصفَين، الأوَّل: «لا يَستَطيعونَ حيلةً». والاستِطاعةُ من ط-و-ع، والطَّوعُ انقيادُ الشَّيءِ وجَرَيانُه مَعَ مَن يُريدُه، و«استَطاعَ الشَّيءَ» صارَ الشَّيءُ طَوعَ يَدِه فانقادَ لِقُدرَتِه، فنَفيُ الاستِطاعةِ نَفيٌ لِأن يَنقادَ لَهُم شَيءٌ مِمّا يَطلُبون. و«حيلةً» من ح-و-ل، أصلُها «حِوْلة»، انقَلَبَت واوُها ياءً لِكَسرةِ ما قَبلَها، والحيلةُ ما يَنفُذُ بِه المَرءُ من ضيقٍ هو فيه إلى حالٍ غَيرِها، ومن جِذرِها «الحَوْل» بِمَعنى القُدرةِ على التَّصَرُّف، و«التَّحَوُّل» الانتِقالُ من حالٍ إلى حال. و«حيلةً» نَكِرةٌ في سِياقِ النَّفي، فالنَّفيُ يَعُمُّ كُلَّ حيلةٍ صَغُرَت أو كَبُرَت: لا مَنفَذَ واحِداً يَنقادُ لَهُم.

«وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا»: طَريقٌ لا يُعرَف

والوَصفُ الثّاني: «ولا يَهتَدونَ سَبيلاً». والاهتِداءُ من ه-د-ي، والهِدايةُ تَقَدُّمٌ لَيِّنٌ يَمضي أمامَ السّائرِ ويَمتَدُّ بِه، و«اهتَدى» على «افتَعَلَ» مُطاوِعُ «هَدى»: أن يَقبَلَ السّائرُ هذا التَّقَدُّمَ فيَجِدَ الطَّريقَ ويَمضيَ فيه. و«سَبيلاً» من س-ب-ل، مَجرىً مَمدودٌ مَفتوحٌ يُسلَكُ إلى غايَتِه، وجاءَ نَكِرةً كَـ«حيلةً»، فهُم لا يَعرِفونَ طَريقاً واحِداً يَخرُجُ بِهِم.

فالوَصفانِ يَرسُمانِ عَجزَين: عَجزاً عن الوَسيلة، وعَجزاً عن مَعرِفةِ الطَّريق، وقد يَملِكُ المَرءُ الوَسيلةَ ولا يَعرِفُ الطَّريق، وقد يَعرِفُ الطَّريقَ ولا يَملِكُ الوَسيلة، وهؤلاءِ وُصِفوا بِالفَقدَينِ مَعاً. وبِهِما يُقابِلُ الاستِثناءُ جَوابَ المَلائكةِ في الآيةِ قَبلَه: هُناكَ أرضٌ واسِعةٌ تُذكَرُ لِمَن كانَ في وُسعِه أن يَنتَقِل، وهُنا قَومٌ لا تَبلُغُهُم تِلكَ السَّعة، لِأنَّهُ لا حيلةَ لَهُم تَنقادُ ولا سَبيلَ لَهُم يُعرَف.


حَصيلة

تَستَثني الآيةُ من حُكمِ الآيةِ قَبلَها قَوماً سَمَّتهُم بِالكَلِمةِ التي احتَجَّ بِها المَأخوذون، «المُستَضعَفين»، ثُمَّ حَدَّتهُم: هُم من الرِّجالِ والنِّساءِ والوِلدان، والوِلدانُ صِغارٌ يَنتَقِلونَ بِانتِقالِ مَن وَلَدَهُم، وهُم مَن لا يَنقادُ لَه مَنفَذٌ يَخرُجُ بِه من ضيقِه، ولا يَعرِفُ طَريقاً يَسلُكُه. فالعُذرُ الذي رُدَّ على مَن كانَتِ الأرضُ واسِعةً عَلَيه يَبقى لِمَن فَقَدَ الوَسيلةَ والطَّريقَ مَعاً، والوَصفُ نَفسُه يَرِدُ في الآيةِ الخامِسةِ والسَّبعينَ لِقَومٍ يَدعونَ رَبَّهُم أن يُخرِجَهُم من قَريةٍ ظالِمٍ أهلُها.