التكاثر · الآية 1

﴿أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ

«أَلهاكُم»: الانصِرافُ كَفِعلٍ، لا كَنَوم

واللهوُ في العَرَبيّةِ عَمَلٌ يَأخُذُ بصاحِبِه عَن عَمَل، وهو غَيرُ النَّومِ والكَسَل. تَقولُ العَرَبُ: «أَلهاهُ الصَّيدُ عَنِ الصَّلاة»، فالصَّيدُ فِعلٌ مَشروع، لكنّه أَلهى، وكذلك المالُ والوَلَدُ والذِّكرُ في الناس، كلُّها فُروعٌ مَشروعَة، وقد تَأخُذُ بِصاحِبِها عَن أصلِه. والجِذرُ يَكشِفُ المَعنى الدَّقيق: اللاهي ضَيِّقُ الانتِباه، وليسَ فارِغاً.

وصيغَةُ «أَلهى» على وَزنِ أَفعَلَ، وهو وَزنُ التَّعدِيَة، فشَيءٌ خارِجٌ يَأخُذُ صاحِبَه، والتَّكاثُرُ هو الذي فَعَل، دونَ المُخاطَبين. وفي هذا تَخفيفٌ ظاهِرٌ تَحتَه تَعنيف، فصاحِبُه هو الذي فَتَحَ البابَ لِما يَأخُذُه عَن نَفسِه، ولَن يَنفَعَه يومَ الحِسابِ أن يَقولَ «أَخَذَني»، فسيُسأَلُ: لماذا تَرَكَ نَفسَه تُؤخَذ.

«التَّكاثُر»: العَدُّ في وَجهِ العَدّ

ووَزنُ تَفاعَلَ في العَرَبيّةِ يَطلُبُ طَرَفَين، كتَقاتَلا وتَناظَرا وتَفاخَرا، كلٌّ يَفعَلُ في الآخَر، والفِعلُ مُتَبادَل. فالتَّكاثُرُ جَمعُ الكَثيرِ أمامَ آخَرَ يَجمَعُ كَثيراً، وهو غَيرُ جَمعِ الكَثيرِ وَحدَه، والكَثرَةُ فيه مَوقوفَةٌ على المُقابَلَة، لا على الكِفايَة. ولذلك يَستَمِرُّ المُتَكاثِرُ في الجَمعِ بَعدَ أن قَضى حاجَتَه بمَرّاتٍ كَثيرَة، لأنَّ مَيدانَه العَدُّ دونَ الجوع.

والكَوثَرُ في سورةٍ قَريبةٍ مِن هذه إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ من الجِذرِ نَفسِه، غَيرَ أنَّ الوَزنَ خَلَفٌ على وَزن، فالكَوثَرُ مَنبَعٌ يُعطى ويَتَفَرَّعُ من واحِد، والتَّكاثُرُ عَدٌّ يُمارَسُ ويَتَنازَعُه اثنان. والجِذرُ ك-ث-ر واحِد، والمَآلانِ مُتَناقِضان: ما يَفيضُ بالعَطاء، وما يَتَراكَمُ بالمُنازَعَة، والقارِئُ يُسأَلُ في أيِّ مَجرىً يُسري كَثرَتَه.

الخِطابُ بضَميرِ الجَمع: «كُم»

ولا تَخُصُّ الآيةُ فَرداً، فـ«أَلهاكُم» جَمع، والجَمعُ أَدَقُّ مِنَ المُفرَد: التَّكاثُرُ مَرَضٌ جَماعيٌّ بطَبعِه، ولا يَتَكاثَرُ واحِدٌ وَحدَه، وتَتَكاثَرُ قَبيلةٌ في وَجهِ قَبيلَة، وشارِعٌ في وَجهِ شارِع، وعَصرٌ في وَجهِ عَصر. ولذلك يُخاطَبُ السامِعونَ مَعاً، فلا يَنفَلِتُ أَحَدٌ مِنَ الآيَةِ بأن يَقولَ «أنا لَستُ مِنهم»، ومَن يَعيشُ في الجَماعَةِ يَتَنَفَّسُ هَواءَها، ولا يَنجو وَحدَه إلّا بِجُهدٍ يَكسِرُ جَريانَ الهَواء.

وتُنَبِّهُ البَقَرَةُ إلى البَديلِ في غَيرِ مَوضِع: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾، فالسائِلُ هنا انكَسَرَ في وَجهِه التَّكاثُر، وصارَ يَسأَلُ ماذا يُخرِجُ مِمّا عِندَه، بَدَلَ أن يَعُدَّه أمامَ غَيرِه. وسؤالُ الإنفاقِ نَقيضُ هَوَسِ الإحصاء، ولا يَنفَتِحُ بابُ سؤالِ المُنفِقِ في نَفسٍ ما لم يَنكَسِر فيها التَّكاثُر.


حَصيلة

تَفتَحُ السورَةُ بِفِعلٍ ماضٍ، وَتُسَلِّمُ السامِعَ التُّهمَةَ كامِلَةً قَبلَ أَن يَسأَل، فقد عُدِلَ عن «يُلهيكم» في حاضِرٍ مُستَمِرّ، وعن «سَيُلهيكم» في تَحذيرٍ آتٍ، إلى «أَلهاكُم»، أي قَد وَقَع. وَالفاعِلُ «التَّكاثُر» دونَ «الكَثرَة»، وجِذرُه (ك-ث-ر) على وَزنِ تَفاعَل، وهو وَزنُ المُشارَكَة، يَطلُبُ طَرَفَين، وَاحِدٌ يُكاثِرُ آخَر، فالمُرادُ جَمعُ المالِ في مُواجَهَة، وهو غَيرُ جَمعِه في حَدِّ ذاتِه. فالتَّكاثُرُ عَدٌّ في وَجهِ عَدّ، وَمَيدانُه الإحصاءُ دونَ الجوع.

وَجِذرُ (ل-ه-و) يَدورُ على الانصِرافِ عَمّا يَنبَغي إلى ما لا يَنبَغي، فاللهوُ انشِغالٌ بِعَمَلٍ يَصرِفُ عَنِ الأَهَمّ، وهو غَيرُ الفَراغِ مِنَ العَمَل. و«أَلهى» على وَزنِ أَفعَلَ، فالفِعلُ يَأتي مِن خارِج، والتَّكاثُرُ هو الذي فَعَل. وَفي هذا تَخفيفٌ ظاهِر، تَحتَه تَعنيف، فالمَرءُ هو الذي فَتَحَ البابَ لِما يَأخُذُه عَن نَفسِه. والكَوثَرُ في سورةٍ قَريبةٍ مِن هذه إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ مِنَ الجِذرِ نَفسِه، غَيرَ أنَّ الوَزنَ يَختَلِف، فالكَوثَرُ مَنبَعٌ يُعطى، وَالتَّكاثُرُ عَدٌّ يُتَنازَع.

وَتَعرِضُ البَقَرَةُ البَديلَ: يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ﴾، فالسائِلُ صارَ يَسأَلُ ماذا يُخرِجُ مِمّا عِندَه، بَدَلَ أَن يَعُدَّه أَمامَ غَيرِه، وسُؤالُ الإنفاقِ نَقيضُ هَوَسِ الإحصاء، ولا يَنفَتِحُ ذاكَ السُّؤالُ في نَفسٍ لَم يَنكَسِر فيها التَّكاثُر.