الفيل · الآية 4

﴿تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

تَرْمِيهِم بِحِجَارَةٍ مِّن سِجِّيلٍ

«تَرميهم»: الزَّمَنُ المَفتوحُ، والقَذفُ المُسَدَّد

اختيارُ المُضارِعِ على الماضي اختيارٌ بَلاغيّ. الماضي يُغلِقُ المَشهَد ويَجعَلُه ذِكرى. المُضارِعُ يَفتَحُه على الزَّمَنِ كلِّه. كأنَّ الآيةَ تَقول: ما زالَ المَشهَدُ مَفتوحاً، الطَّيرُ ما زالَ يَرمي، والحِجارةُ ما زالَت تَقَعُ، حَيثُما كانَ الكَيدُ الذي يُضاهي ذلك الكَيد.

والرَّميُ في الجِذرِ العَربيِّ (ر-م-ي) قَذفٌ مَوصولٌ بهَدَف. فيه جَريانٌ (ر) ثُمَّ تَجَمُّع (م) ثُمَّ امتِدادٌ ولِين (ي): قَذفةٌ تَنطَلِقُ، تَحمِلُ ثِقَلَها، ثُمَّ تَستَقِرُّ على هَدَفِها. ولذلك يُقالُ في القُرآنِ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾: الرَّميُ من اليَدِ البَشَريّة، لكنَّ التَّسديدَ من فَوق. وَهنا الرَّميُ من مَنقارِ الطَّير، والتَّسديدُ مِمَّن أَرسَلَ الطَّير.

والضَّميرُ «هم» في «تَرميهم» تَخصيصٌ دَقيق. لم يُرمَ البَيتُ ليُحفَظ. رُمِيَ القاصِدونَ لِيُهلَكوا. لم تَنزِلِ الحِجارةُ على المَوضِعِ المَقصود، بل على القاصِدين. الفَرقُ كَبيرٌ في الصورة: لو حُمِيَ البَيتُ بسورٍ من نار، لَكانَ الحِفظُ بإقامةِ حاجِز. لكنَّه حُمِيَ بإصابةِ المُهاجِم في رَأسِه. الفَرقُ بَين أن تَبنيَ سُوراً، وأن تُسَلِّطَ الجَوابَ على المُهاجِمِ نَفسِه.

«حِجارَة»: المادَّةُ المَعروفةُ، والصُّورةُ المَقلوبة

الحَجَرُ في الجِذرِ العَربيِّ (ح-ج-ر) كُتلةٌ صَلبةٌ نَقيّةٌ مُمتَدّة، ومنه «حَجَرَ» = مَنَعَ، لأنَّ الحَجَرَ يَمنَعُ مَن يَلقاه. والحِجارةُ مادَّةٌ شائِعةٌ في كُلِّ أَرض، يَعرِفُها كُلُّ إنسان. لكنَّ السورةَ تَختارُ هذه المادَّةَ بِالذَّاتِ لتَكونَ هي السِّلاح، لا الصَّواعِقَ ولا النّار.

والاختيارُ مَقصود. الحِجارةُ مادَّةُ البِناءِ والهَدمِ في عُرفِ الإنسان. بها تَبني البَيت، وبها يَنهَدِمُ البَيت. أَن تَنزِلَ الحِجارةُ على مَن قَصَدَ البَيتَ يَعني أنَّ المادَّةَ التي يَتَعامَلُ بها الإنسانُ في هَدمِ ما يَهدِم وبِناءِ ما يَبني، رُدَّت إليه. الذي قَصَدَ هَدمَ البَيتِ بالحِجارة، رُدَّت عليه الحِجارةُ من السَّماء.

وفي البَقَرةِ يَتَكَرَّرُ ذِكرُ الحِجارةِ في صُوَرٍ شَتّى. مَرَّةً في صُلابةِ القَلب: فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾. ومَرَّةً في وُقودِ النّار: وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾. ومَرَّةً في خُروجِ الماءِ: وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ﴾. الحَجَرُ في القُرآنِ ليس صورةً واحِدة، بل مادَّةٌ تَتَعَدَّدُ صُوَرُها بحَسَبِ المَوضِع. وفي سورةِ الفيلِ هو السِّلاحُ المُسَلَّطُ على المُتَّكِئينَ على ضَخامَتِهم.

«من سِجِّيل»: مادَّةٌ من الأَرضِ تَنزِلُ من السَّماء

«سِجِّيل» كَلِمةٌ خَرَجَ فيها أهلُ اللُّغةِ على وَجهَين. الوَجهُ الأَوَّل: عَرَبيَّةٌ مُحضَة، من جِذرِ س-ج-ل، الذي منه «السِّجِلّ» = الكِتابُ المَكتوب. الوَجهُ الثاني: مُعَرَّبةٌ من فارسيّة، أَصلُها «سَنگ گِل» = حَجَرٌ وَطين. وفي القُرآنِ نَفسِه ما يُسانِدُ المَعنى الثاني: حِجَارَةً مِّن طِينٍ﴾ في سورةٍ أُخرى. فالسِّجِّيلُ هو الطّينُ المَخبوزُ المُتَحَجِّر.

والصُّورَةُ بَليغة. مادَّةٌ من الأَرضِ، أُحرِقَت ونَضِجَت ثُمَّ صَلُبَت. ما يَبنيهِ الإنسانُ من جُدرانٍ هو هذا بِعَينِه: طينٌ وَنار. والذي يَنزِلُ عليه الآنَ هو ما يَبني هو نَفسُه به. لم تَأتِ مادَّةٌ من جِنسٍ غَريب، بل من جِنسِ ما يَعرِفُ. وهذا هو الأَدبُ الإلهيُّ في رَدِّ الكَيد: تُرَدُّ على صاحبِ الكَيدِ مادَّتُه نَفسُها، في صورةٍ تُهلِكُه.

وفي ذلك تَحذيرٌ مَستورٌ في صورةِ الحِكاية: المادَّةُ التي تَبني بها كَيدَك يَومَ ما، يُمكِنُ أن تَكونَ هي ذاتُها التي تَنزِلُ عليكَ يَومَ آخَر. لا تَأتي ضَربةُ السَّماءِ من جِنسٍ مُختَلِفٍ غَريب؛ تَأتي من جِنسِ ما تَعرِفُ، فتَكونُ أَوقَعَ على الذِّهنِ وأَدَلَّ على المَعنى.


حَصيلة

تَنتَقِلُ الآيةُ من الوَسيطِ إلى الفِعل. الفِعلُ مُضارِعٌ: «تَرميهم» (ر-م-ي) لا «رَمَتهم». قَذفٌ مُسَدَّدٌ نَحوَ هَدَف يَجري أمامَ القارئِ في كُلِّ قِراءة، لم يَختِم الزَّمانُ عَرضَه. والضَّميرُ «هم» تَخصيصٌ دَقيق: لم يَنزِلِ الجَوابُ على البَيتِ ليَحفَظَه بِحاجِز، بل نَزَلَ على القاصِدينَ بِذَواتِهم. أمّا السِّلاحُ فمادَّةٌ شائِعةٌ لا غَريبَة: «حِجارةٍ» (ح-ج-ر) كُتَلٌ صَلبةٌ يَعرِفُها كُلُّ إنسان. ثمّ الوَصفُ: «من سِجِّيل» (س-ج-ل)، طينٌ سالَ ثُمَّ تَجَمَّعَ ثُمَّ صَلُبَ بِالحَرارة، مادَّةُ البِناءِ بِعَينِها. ما يَبني به الإنسانُ مَدينَتَه هو ما نَزَلَ على القاصِدين. السَّماءُ لا تَحتاجُ سِلاحاً غَريباً: تَرُدُّ على الكائِدِ مادَّتَه نَفسَها في صورةٍ يَعرِفُها ويَتَأَخَّرُ في فَهمِها.