الكوثر · الآية 1

﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ

«أَعطَيناك»: الماضي قبل الأمر، والإخبارُ قبل التَّكليف

وجاءَ الفعلُ ماضِياً، وهو اختيارٌ مَقصود، فلَو جاءَ «نُعطيكَ الكوثرَ» لَوقَعَ المُخاطَبُ في انتظار، ولَو جاءَ «سَنُعطيك» لَكانَ في وَعد. وأوثِرَ عليهما «أَعطَيناك»، وهو قَبضٌ مَفروغٌ منه لا انتظارَ فيه ولا وَعد، والسورةُ تَأتي وفي يَدِه ما أَخَذ.

ويَتَكرَّرُ هذا الترتيبُ نَفسُه في الكتابِ كلَّما أرادَ أن يَرفَعَ المُستَقبِلَ من ضيقٍ يَتَوَهَّمُه، فتَقولُ البَقَرةُ في داوود: وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ﴾، والإيتاءُ فيها بالماضي، والمَلِكُ يَنهَضُ على ما قُدِّمَ له دونَ ما يَنتَظِرُه. ومَن أَخَذَ الحِكمةَ فقد أَخَذَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، أي خَيراً يَتَوالَدُ من نَفسِه، والكَوثَرُ في جذرِه هو هذا الخَيرُ الذي يَكثُرُ بالاستعمالِ ولا يَنفَد.

فالآيةُ تَضَعُ المُخاطَبَ في مَوضِعِ مَن أَخَذَ قَبلَ أن يُطلَبَ منه، وكذلك القارئ، يَدخُلُ الكتابَ لِيَشكُرَ ما أَخَذَ وهو لا يَدري أنّه أَخَذَه، ولا يَدخُلُه لِيَطلُب.

«الكَوثَر»: كثرةٌ مَضغوطةٌ في صورة

ومَعنى ك-ث-ر التَّوالُدُ والتَّعَدُّد، والكَثرةُ فيه حَرَكةٌ تَتَوالَدُ من نَفسِها وليست كَمّيّةً ساكنة. والكَوثَرُ على وَزنٍ يَزيدُ هذه الحَرَكةَ شِدّة، وهو فَوعَل، وَزنٌ يُفيضُ ما تَحتَه، فالكَوثَرُ مَنبَعٌ يَنفَجِرُ بالكَثرة، ولا يَقِفُ عِندَ مَعنى «كثير».

وهو بوَزنِه «فَوعَل» بُؤرَةٌ تَتَفَرَّعُ مِنها صُوَرٌ كَثيرَة: نَسلٌ يَمتَدّ، وذِكرٌ يَرتَفِع، ولِسانٌ يَجري بالنُّبُوَّةِ والقُرآن، ومَنبَعٌ يَرِدُ عليه مَن سَلَكَ السَّبيل. وما أُعطِيَه المُخاطَبُ في الآيَةِ مَنبَعٌ تَتَوالَدُ مِنه صُوَرُ الكَثرَةِ بِلا انقِطاع، وليس عَطاءً واحِداً يَنتهي عِندَ صورَتِه.

وجاءَ الاسمُ «الكَوثَر» مُعرَّفاً بأل: الكَوثَر مَعرفةً، دونَ «كَوثَرٌ» نَكِرة، كأنّ السامعَ كان يَنبَغي أن يَعرِفَه قبل أن يُسَمَّى، وكلُّ كَثرَةٍ عُرِفَت في صورتِها ظِلٌّ من هذا الأصل، والكَوثَرُ نَفسُه أصلٌ تَأوي إليه كلُّ كَثرةٍ بُورِكَت.

إنّا: المُعطي واحدٌ، والعَطيّةُ تَتفَرَّع

و«إنّا» تأكيدٌ بنونِ العَظمة، يَتكلّمُ فيه واحدٌ بصيغةِ الكثرة، فيُعطي كَوثَراً يَتفرّعُ من واحد، والنَّحوُ هنا يَفعَلُ ما يَقولُه المعنى، إذ يَعرِضُ على الأذنِ صورةَ الواحِدِ الذي تَنبَعِثُ منه الكَثرَة.

والقارئُ حين يَسمَعُ «إنّا أَعطَيناك» يُدرِكُ ضِمناً أنّ يَدَ المُعطي غَيرُ يَدِ ضيقٍ تُعطي مَرّةً، وأنّها يَدُ مَن يَتكلّمُ بصيغةِ المُتعدِّدِ وهو واحد، فالعَطاءُ من سَعَةٍ لا تَنفَد، والمُعطَى مُختارٌ ليَكونَ مَجرىً لها.

ومَن قَرأَ هذه الآيةَ بهذا الإصغاءِ عَرَفَ أنّ ما في يَدِه مَنبَعٌ، وليس قَبضةً ضَعيفة، والمَنبَعُ يُحفَظُ بإجراءِ مائِه وليس بالإمساكِ عليه، ولذلك تَأتي الآيةُ التالية: «فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانحَر».


حَصيلة

السورةُ الأَقصَرُ في الكتاب تَفتَتِحُ نَفسَها بِفِعلٍ ماضٍ: «أَعطَيناك»، وعُدِلَ فيه عن الوَعدِ المُستَقبَلِ في «سَنُعطيك» و«نُعطيك» إلى قَبضٍ مَفروغٍ منه، فالكَلامُ يَأتي والمُخاطَبُ في يَدِه ما أَخَذ. وفي «إنّا» نونُ العَظَمة، يَتَكَلَّمُ بها واحدٌ بصِيغةِ الكَثرَة، فالنَّحوُ نَفسُه يُهَيِّئُ ما يَأتي بَعدَه: مُعطٍ مُفرَدٌ يَفيضُ كَثرةً من سَعَتِه. ثُمّ يَنزِلُ الاسمُ المُفرَد: «الكَوثَر»، ووَزنُ «فَوعَل» وَزنٌ للمُبالَغةِ والإغراق، يُفيضُ ما تَحتَه ولا يَكتَفي بالكَثرَة، والجذرُ ك-ث-ر يَنطِقُ بحَرَكةٍ تَتَوالَدُ من نَفسِها ولا يَنطِقُ بكَمّيّةٍ ساكِنة. فالكَوثَرُ بُؤرَةٌ تَتَفَرَّعُ منها صُوَرٌ لا تُحصى، ولا يَنتَهي عند صورةِ عَطاءٍ واحد: نَسلٌ يَمتَدّ، وذِكرٌ يَرتَفِع، ولِسانٌ يَجري في كلِّ زَمانٍ بِحَرفِك، وأُمّةٌ تَتلو، ومَنبَعٌ يَردُ عليه مَن أَصغى. وهذه الصُّوَرُ لا تَتَعارَض، لأنّ الوَزنَ يَجمَعُها كلَّها. والاسمُ مُعَرَّفٌ بـ«ال»، فكَأنّ السامِعَ كانَ يَنبَغي أن يَعرِفَه، وكلُّ كَثرَةٍ بُورِكَت ظِلٌّ من هذا الأَصل. وفي البَقَرة وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾، والخَيرُ الكَثيرُ فيها خَيراتٌ تَتَوالَدُ من واحدٍ بِنيَويّاً، وليست خَيراً واحداً كَبيراً، وهذا هو الكَوثَرُ في صورَتِه. والترتيبُ في السورةِ مَقصودٌ تَماماً، فالإخبارُ قَبلَ التَّكليف، والأمرُ سَيَأتي في الآيةِ التالية ويَسبِقُه الإعلان، إذ لا تَأمُرُ يَدٌ خاوِية، ولا تَستَجيبُ نَفسٌ تَظُنُّ أنَّها لم تَأخُذ. ومَن قَرأ هذه الآيةَ بهذا الإصغاءِ عَرَفَ أنّ ما في يَدِه مَنبَعٌ، وليس قَبضةً ضَعيفة، والمَنبَعُ يُحفَظُ بإجراءِ مائِه، لا بالإمساكِ عليه.