يس · الآية 19

﴿قَالُوا طَائِرُكُم مَّعَكُمْ ۚ أَئِن ذُكِّرْتُم ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قَالُوا طَائِرُكُم مَّعَكُمْ ۚ أَئِن ذُكِّرْتُم ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ

«طائِرُكُم مَعَكُم»: رَدُّ الشُّؤمِ إلى مَصدَرِه الحَقيقيّ

رَدَّ المُرسَلونَ التَّطَيُّرَ بِكَلِمةٍ تَقلِبُ نِسبَتَه: «طائِرُكُم مَعَكُم». والمُرادُ بِـ«الطائِر» ما يُتَطَيَّرُ به، أي حَظُّ المَرءِ من خَيرٍ أو شَرٍّ يُعَلِّقُه على غَيرِه. فقَولُهُم «مَعَكُم» يَنفي أن يَكونَ في القادِمِ إليهِم، ويُثبِتُ أنَّه فيهِم، والمَعنى: ما يُصيبُكُم من سوءٍ مَصدَرُه أعمالُكُم لا قُدومُنا، فهو مَعَكُم لازِمٌ لكُم، تَحمِلونَه حَيثُ ذَهَبتُم. وفي ذلك تَصحيحٌ لِمَوضِعِ السَّبَب، فالمُعرِضُ يُعَلِّقُ شَقاءَه على الخارِج، والحَقُّ أنَّه يَحمِلُ سَبَبَه في نَفسِه.

«أئِن ذُكِّرتُم»: استِنكارُ أن يَكونَ التَّذكيرُ جَريمة

و«أئِن ذُكِّرتُم» استِفهامٌ إنكاريٌّ مَعناه: أتَجعَلونَ مَجيءَ التَّذكيرِ سَبَبَ هذا التَّهديدِ والتَّطَيُّر؟ و«التَّذكير» (ذ ك ر) إعادةُ المُغَطّى إلى الحُضور، وهو رَحمةٌ لا جَريمة، فكَيفَ يَنقَلِبُ ما يوقِظُ القَلبَ ذَنباً يُعاقَبُ علَيه صاحِبُه بِالرَّجم؟ والإنكارُ يَكشِفُ انقِلابَ المَوازينِ عِندَهُم: صارَ الذي يُذَكِّرُ مُتَّهَماً، والذِّكرُ نَفسُه سَبَبَ شُؤم.

«بَل أنتُم قَومٌ مُسرِفون»: تَشخيصُ العِلّةِ الحَقيقيّة

و«بَل» إضرابٌ يَنتَقِلُ من نَفيِ دَعواهُم إلى تَشخيصِ حالِهِم، فالعِلّةُ فيكُم دونَ التَّذكير: «أنتُم قَومٌ مُسرِفون». و«الإسراف» (س ر ف) مُجاوَزةُ الحَدِّ في الشيءِ حتّى يَخرُجَ عن قَصدِه، فالعِلّةُ مُجاوَزَتُهُمُ الحَدَّ في التَّكذيبِ، وفي التَّهديد، وفي تَعليقِ شَقائِهِم على غَيرِهِم. والطائِرُ مَعَهُم لأنَّ إسرافَهُم مَعَهُم، يَحمِلونَه فيَحمِلونَ شُؤمَه. وبِهذا يَكتَمِلُ الرَّدّ، فالشُّؤمُ كائِنٌ في مُجاوَزةِ المُتَلَقّي حَدَّه، لا في الرِّسالة.


حَصيلة

يَرُدُّ المُرسَلونَ التَّطَيُّرَ بِثَلاثِ ضَرَبات: «طائِرُكُم مَعَكُم»، ومَعناه أنَّ ما يُصيبُكُم مَصدَرُه فيكُم لا في القادِمِ إليكُم، فهو لازِمٌ لكُم تَحمِلونَه حَيثُ ذَهَبتُم، وفي ذلك تَصحيحٌ لِمَوضِعِ السَّبَب. ثُمَّ «أئِن ذُكِّرتُم»، وهو استِفهامٌ إنكاريٌّ مَعناه: أتَجعَلونَ التَّذكيرَ (ذ-ك-ر = إعادةُ المُغَطّى إلى الحُضور) جَريمةً تُعاقَبُ بِالرَّجم؟ وبِه يَنكَشِفُ انقِلابُ المَوازين. ثُمَّ «بَل أنتُم قَومٌ مُسرِفون» (س-ر-ف = مُجاوَزةُ الحَدّ)، وفيه تَشخيصُ العِلّةِ في إسرافِهِم دونَ الرِّسالة. فالطائِرُ مَعَهُم لأنَّ إسرافَهُم مَعَهُم، والشُّؤمُ في مُجاوَزةِ المُتَلَقّي حَدَّه، لا في المُبَلِّغ.