النازعات · الآية 19

﴿وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَأَهْدِيَكَ إِلَىٰ رَبِّكَ فَتَخْشَىٰ

«وَأَهْدِيَكَ»: شَطرٌ لا يَقدِرُ عَلَيه صاحِبُ الشَّطرِ الأوَّل

الواوُ تَعطِفُ هذا الفِعلَ على ما قَبلَه، فهُما مَعاً داخِلانِ تَحتَ «أن» واحِدةٍ وتَحتَ سُؤالٍ واحِد، فهو سُؤالٌ واحِدٌ لَه شَطران.

والشَّطرانِ مُختَلِفانِ في جِهَةِ الفِعل، فالأوَّلُ على تَفَعَّلَ فصاحِبُه مَحَلُّ فِعلِه، والثّاني فِعلٌ يَقَعُ عَلَيه من غَيرِه والكافُ مَفعولُه، فوُضِعَ في عَرضٍ واحِدٍ ما لا يَفعَلُه عنه أحَد، وما لا يَفعَلُه هو لِنَفسِه.

و«هَدى» من ه-د-ي: جَريانٌ يَستَقِرُّ ثُمَّ يَسري في طَريق، فالهِدايةُ دَلالةٌ على مَسلَكٍ ومَشيٌ فيه، لا حَملٌ إلى الغاية، وقد أوثِرَت على «وأُبَلِّغُكَ رَبَّك»، فالطَّريقُ يُعرَضُ، والقَدَمُ تَبقى قَدَمَ صاحِبِها.

«إِلَىٰ رَبِّكَ»: الكافُ تَحُلُّ مَحَلَّ الهاء

و«إلى» هُنا ثالِثةٌ في ثَلاثِ آيات: فالأُولى كانَت غايةً هي رَجُل، والثّانِيَةُ غايةً هي فِعل، وهذه غايةٌ هي نِسبة، فالرِّسالةُ مَبنِيّةٌ من غاياتٍ مُتَتالِيَةٍ لا يُشبِهُ بَعضُها بَعضاً.

واللَّفظُ هُنا هو اللَّفظُ الذي عُرِفَ بِه المُنادي في أوَّلِ هذا الخَبَر: إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ﴾، ولم يَتَغَيَّرْ في الكَلِمةِ حَرفٌ إلّا الضَّمير، إذ صارَتِ الهاءُ كافاً، فما وُصِفَ بِه المُنادى يُعرَضُ الآنَ على المُنادَى إلَيه بِاللَّفظِ نَفسِه.

ور-ب-ب مُلازَمةٌ مُتَّصِلةٌ تَنقُلُ المُلازَمَ من حالٍ إلى حال، وعلى هذا الشَّكلِ جاءَ ما عُرِضَ في الآيَتَينِ مَعاً: إخراجٌ يُنمي، وطَريقٌ يُسلَك، فالنِّسبةُ التي تُعرَضُ عليه هي بِعَينِها الحَرَكةُ التي دُعِيَ إلَيها.

«فَتَخْشَىٰ»: ما يَنزِلُ في آخِرِ الطَّريقِ لا ما يُطلَبُ في أوَّلِه

والفاءُ هُنا لِلسَّبَبِيّة، والفِعلُ بَعدَها مَنصوب، فهو نَتيجةٌ مُتَرَتِّبةٌ على ما قَبلَه، لا مَطلَبٌ ثالِثٌ يُضافُ إلى المَطلَبَين، ولِذلك عُدِلَ عن «واخشَ» إلى «فتَخشى».

وخ-ش-ي نُفوذٌ يَتَفَشّى في الباطِنِ فيَسري فيه ويَدوم، فهو داخِلٌ يَنتَشِرُ ويَستَقِرّ، غَيرُ وَجَلٍ يَقرَعُ من خارِجٍ ثُمَّ يَمضي، ومِثلُ هذا يُبلَغُ إليه ولا يُبتَدَأُ بِه، فجاءَ في آخِرِ الآيةِ لِأنَّه آخِرُ ما يَقَع.

وهذه الكَلِمةُ عَمودُ السّورة، فهي تَعودُ شَرطاً لِلانتِفاعِ بَعدَ سَبعِ آيات: إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبْرَةً لِّمَن يَخْشَىٰ﴾، وتَعودُ في خِتامِها حَدّاً لِلإنذار: إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا﴾، فهي هُنا ثَمَرةُ طَريق، وهُناكَ شَرطُ الانتِفاع، وما عُرِضَ على رَجُلٍ بِكَلِماتٍ قيلَت في وادٍ يُقاسُ بِه النّاسُ كُلُّهُم في آخِرِ السّورة.


حَصيلة

الواوُ تَجعَلُ الفِعلَ شَطراً ثانِياً تَحتَ «أن» الأُولى، فالسُّؤالُ واحِدٌ والمَعروضُ شَطران: الأوَّلُ على تَفَعَّلَ فصاحِبُه مَحَلُّ فِعلِه، والثّاني يَقَعُ عَلَيه من غَيرِه والكافُ مَفعولُه، أي ما لا يَفعَلُه عنه أحَد، وما لا يَبلُغُه وَحدَه. و«أهدِيَ» من ه-د-ي: جَريانٌ يَستَقِرُّ ثُمَّ يَسري في طَريق، فالمَعروضُ دَلالةٌ ومَشيٌ لا حَملٌ إلى الغاية. و«إلى» ثالِثةٌ بَعدَ غايةٍ هي رَجُلٌ وغايةٍ هي فِعل، وهذه نِسبة. و«رَبِّكَ» هو اللَّفظُ الذي عُرِفَ بِه المُنادي في أوَّلِ الخَبَر، لم يَتَبَدَّلْ مِنه إلّا الضَّمير. ور-ب-ب مُلازَمةٌ تَنقُلُ المُلازَمَ من حالٍ إلى حال، وهي صورةُ ما عُرِضَ من نَماءٍ وطَريق. ثُمَّ «فتَخشى» بِفاءِ السَّبَبِ مَنصوباً، فهو نَتيجةٌ لا مَطلَب، وخ-ش-ي نُفوذٌ يَتَفَشّى في الباطِنِ فيَدوم. وقد جاءَ الوَجَلُ في آخِرِ الآيةِ لِأنَّه آخِرُ ما يَنزِل، وسَيَصيرُ في آخِرِ السّورةِ هو المِقياس.