النازعات · الآية 18

﴿فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَقُلْ هَل لَّكَ إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ

«فَقُلْ»: الزّادُ كُلُّه كَلِمة

أمرانِ في سَطرَين، بَينَهُما فاء. الأوَّلُ حَرَكة، والثّاني كَلام. ولا ثالِثَ بَينَهُما: لا مُهلةَ ولا شَرطَ ولا عُدّة.

و«قالَ» من ق-و-ل: مَعقودٌ في الباطِنِ يُمَدُّ حتّى يَبرُزَ مُتَمَيِّزاً. فالفِعلُ إخراجُ ما انعَقَدَ داخِلاً حتّى يُعرَفَ ويُنسَبَ إلى صاحِبِه. وهذا كُلُّ ما دُفِعَ إلى الذّاهِبِ يَحمِلُه.

ثُمَّ تُملي عَلَيه الآيةُ لَفظَه. لم تَقُلْ: فادعُهُ، ولا: فأنذِرْه، ولا: فبَلِّغْه. أعطَته العِبارةَ كَما تُقال. مَن أُرسِلَ إلى مَن فاضَ عن حَدِّه لم يُعطَ سِوى ما يُقالُ بِفَم.

«هَل لَّكَ»: سُؤالٌ يُترَكُ ناقِصاً عَمداً

«هَلْ» أداةُ استِفهام. وهي الأداةُ نَفسُها التي فُتِحَ بِها هذا الحَديثُ كُلُّه: هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ﴾. سُئِلَ المُخاطَبُ الأوَّلُ لِيُفتَحَ لَه مَوضِع، ثُمَّ وُضِعَتِ الأداةُ نَفسُها في فَمِ المُرسَلِ لِيُفتَحَ بِها مَوضِعٌ آخَر.

والجُملةُ ناقِصة. «هَل» ثُمَّ جارٌّ ومَجرور، ولا مُبتَدَأَ مَذكوراً: هَل لَكَ ماذا؟ لم تُسَمِّ الآيةُ المَسؤولَ عنه. يُترَكُ فَراغٌ يَملَؤُهُ المَسؤولُ من عِندِه، فيَكونُ الجَوابُ عن شَيءٍ سَمّاهُ هو.

واللّامُ في «لَكَ» لامُ اختِصاص. ما يُسألُ عنه مَوضوعٌ في جِهَتِه قَبلَ أن يُجيب. لم يُقَلْ: أتُطيعُ، ولا: أتَنقادُ. قيلَ: أَلَكَ. والفَرقُ بَينَ الصّيغَتَينِ أنَّ الأُولى تَطلُبُ مِنه والثّانِيَةَ تَجعَلُ الأمرَ مِلكَه.

«إِلَىٰ أَن تَزَكَّىٰ»: حَدٌّ يُخرِجُ فيُنمي

«إلى» ثانِيَةً. كانَتِ الأُولى في السَّطرِ قَبلَه غايةً هي رَجُل: اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ﴾، وهذه غايةٌ هي فِعل. المَبعوثُ يُقصَدُ إلى إنسان، والإنسانُ يُدعى إلى عَمَل.

و«تَزَكَّىٰ» من ز-ك-و: إخراجٌ عِندَ حَدٍّ يُفضي بِما بَعدَه إلى النَّماء. فالجِذرُ يَدورُ على حَدٍّ أيضاً، كَما دارَ ط-غ-ي في السَّطرِ قَبلَه على حَدّ. هُناكَ فَيضٌ يَعلو الحَدَّ فيُغَطّي، وهُنا إخراجٌ عِندَ الحَدِّ يُفضي إلى نَماء. الرَّجُلُ الذي وُصِفَ بِمُجاوَزةِ حَدٍّ يُعرَضُ عَلَيه حَدٌّ آخَر.

وجاءَ الفِعلُ على وَزنِ تَفَعَّلَ، وهو وَزنٌ يَجعَلُ الفاعِلَ مَحَلَّ فِعلِه. فالمَعروضُ لَيسَ شَيئاً يُصنَعُ بِه، بَل شَيءٌ يَقَعُ مِنه على نَفسِه. أُمِرَ الذّاهِبُ ولم يُؤمَرِ المَذهوبُ إلَيه، وسُئِلَ سُؤالاً يَملِكُ جَوابَه وَحدَه.


حَصيلة

أمرٌ ثانٍ يُعَقِّبُ الأوَّلَ بِفاء، وهو كَلام. ق-و-ل إخراجُ ما انعَقَدَ في الباطِنِ حتّى يَبرُزَ مُتَمَيِّزاً، وهذا وَحدَه زادُ المُرسَل. ثُمَّ يُملى عَلَيه اللَّفظُ كَما يُقال، فلا تَبليغَ بِالمَعنى. و«هَلْ» هي الأداةُ التي فُتِحَ بِها الحَديثُ في أوَّلِه، فيُعادُ فَتحُ المَوضِعِ بِها في فَمِ المُرسَل. والجُملةُ مَتروكةٌ ناقِصةً بِلا مُبتَدَإٍ مَذكور، واللّامُ في «لَكَ» تَضَعُ المَسؤولَ عنه في جِهةِ المَسؤولِ قَبلَ أن يُجيب. ثُمَّ «إلى» تُعيدُ حَرفَ الغايةِ الذي كانَ رَجُلاً فيَصيرُ فِعلاً. و«تَزَكَّىٰ» من ز-ك-و: إخراجٌ عِندَ حَدٍّ يُفضي بِما بَعدَه إلى النَّماء، وهو وَزنُ تَفَعَّلَ فالفاعِلُ مَحَلُّ فِعلِه. حَدٌّ فاضَ عنه فغَطّى، وحَدٌّ يُعرَضُ عَلَيه فيُنمي، والسُّؤالُ لا يُنتَزَعُ جَوابُه.