التكوير · الآية 20

﴿ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ

«ذِي قُوَّةٍ»: مِلكٌ يُنسَبُ، ونَكِرةٌ تُقَدِّر

لم تَقُلِ الآيةُ «قَوِيّ». قالَت «ذي قُوّة»، و«ذو» كَلِمةُ صُحبةٍ ومِلك: تُثبِتُ ما مَعَ صاحِبِها لا ما هو. فبَينَ أن يَكونَ الشَّيءُ قُوّةً وأن تَكونَ لَه قُوّةٌ فَرقٌ في الآيةِ مَحفوظ.

والجِذرُ ق-و-ي عُدّةٌ تُعقَدُ في مَكمَنِها ثُمَّ يَمتَدُّ بِها صاحِبُها. ومنه القُوّةُ في الحَبل: طاقةٌ من طاقاتِه تُعَدُّ وتُجمَع. فالقُوّةُ في أصلِها عَينٌ تُملَكُ وتُقَدَّر، لا وَصفٌ مُطلَقٌ لا حَدَّ لَه.

وجاءَت نَكِرةً: «قُوّةٍ» لا «القُوّة». قَدرٌ مَملوكٌ يَكفي لِما حُمِّلَه، لا جِنسٌ يُستَغرَق. والوَصفُ الثّاني يُقاسُ على الأوَّلِ فيَنضَبِط.

«عِندَ ذِي الْعَرْشِ»: كَلِمةُ المِلكِ نَفسُها مَرَّةً ثانِية

ثُمَّ تَعودُ «ذي» في الآيةِ نَفسِها. مَرَّتانِ في سَطرٍ واحِد، الأولى مَعَ نَكِرةٍ والثّانِيَةُ مَعَ مَعرِفة. الكَلِمةُ واحِدةٌ والفَرقُ كُلُّه في المَملوك.

والعَرشُ من ع-ر-ش: قَبضٌ عَميقٌ يَجري ثُمَّ يَنتَشِرُ مَرفوعاً فيُظَلِّلُ ما تَحتَه. ومنه عَريشُ الكَرمِ: ما يُرفَعُ لِيُمسِكَ ويُظِلّ. فالمُضافُ إليه الثّاني إحاطةٌ مَرفوعةٌ تَشمَلُ ما دونَها، والأوَّلُ طاقةٌ مَعدودةٌ في يَدِ حامِل.

و«عِندَ» ظَرفُ حُضورٍ لا ظَرفُ مَسافة. تُثبِتُ المَوقِفَ ولا تَقيسُ البُعد. والآيةُ وَصَفَتِ المَوقوفَ عِندَهُ بِمِلكِه وَحدَه، وتَخَتِمُ السّورةُ بَعدُ فتُسَمّيه: اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾.

«مَكِينٍ»: ثَباتُ المَوقِفِ لا قُربُ المَكان

م-ك-ن إمساكٌ يَحتَوي ويَحتَبِسُ في مَوضِعِه ثُمَّ يَنبَعِثُ منه أثَرُه. ومنه المَكانُ الذي يَستَقِرُّ فيه الشَّيء، و«تَمَكَّنَ» ثَبَتَ فلم يُزَحزَح، و«المَكانة» مَنزِلةٌ لا تَتَحَوَّل.

وقُدِّمَ الظَّرفُ على الوَصف: «عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ». يُذكَرُ المَوقِفُ أوَّلاً، ثُمَّ يُقالُ إنَّه فيه ثابِت. فالتَّمَكُّنُ لَيسَ في ذاتِه مَعزولاً، بل في مَوقِفٍ مَعلومٍ نُسِبَ إليه.

وثَلاثةُ أوصافٍ في آيةٍ واحِدة، وكُلُّها مَنسوبةٌ إلى غَيرِها: قُوّةٌ مَملوكةٌ بِقَدر، ومَوقِفٌ عِندَ صاحِبِ الإحاطة، وثَباتٌ في ذلك المَوقِف. لا يُوصَفُ الحامِلُ في هذه الآيةِ بِشَيءٍ يَقومُ بِه وَحدَه.


حَصيلة

تَقولُ الآيةُ «ذي قُوّة» ولا تَقولُ «قَوِيّ»، و«ذو» كَلِمةُ مِلكٍ تُثبِتُ ما مَعَ صاحِبِها لا ما هو. والجِذرُ ق-و-ي عُدّةٌ تُعقَدُ في مَكمَنِها يَمتَدُّ بِها صاحِبُها، ومَجيئُها نَكِرةً يَجعَلُها قَدراً مَملوكاً لا جِنساً مُستَغرَقاً. ثُمَّ تَعودُ «ذي» ثانِيَةً في السَّطرِ نَفسِه مَعَ مَعرِفة، فالكَلِمةُ واحِدةٌ والفَرقُ في المَملوك: طاقةٌ مَعدودةٌ هُنا، وإحاطةٌ مَرفوعةٌ هُناك، والعَرشُ من ع-ر-ش قَبضٌ عَميقٌ يَجري ثُمَّ يَنتَشِرُ فيُظَلِّلُ ما تَحتَه. و«عِندَ» ظَرفُ حُضورٍ يُثبِتُ المَوقِفَ ولا يَقيسُ بُعداً. و«مَكين» من م-ك-ن: إمساكٌ يَثبُتُ في مَوضِعِه فيَنبَعِثُ أثَرُه، وقُدِّمَ عليه الظَّرفُ فصارَ الثَّباتُ في المَوقِفِ لا في الذّات. ثَلاثةُ أوصافٍ لا يَقومُ واحِدٌ منها بِصاحِبِه وَحدَه.