التكوير · الآية 21

﴿مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

مُّطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ

«مُّطَاعٍ»: طاعةٌ تُعطى ولا تُنتَزَع

الوَصفُ اسمُ مَفعول: مَن وَقَعَت عليه الطّاعةُ من غَيرِه. فالكَلامُ عنه مَقولٌ من جِهةِ المُطيعين، لا من جِهةِ قَهرٍ فيه يَغلِب. يُقالُ «مُطاعٌ» فيُعرَفُ أنَّ ثَمَّ مَن أطاع.

والجِذرُ ط-و-ع انبِساطٌ يَحتَوي ويَقبَل، ثُمَّ يَظهَرُ ذلك القَبولُ من عُمقِ صاحِبِه. فالطَّوعُ في أصلِه انقِيادٌ يَنبُعُ من داخِلِ المُنقادِ لا من دَفعٍ يَقَعُ عَلَيه من خارِج. ولذلك جاءَ في اللِّسانِ مُقابِلاً لِلكَرهِ لا مُرادِفاً لِلقَهر.

فالوَصفُ الخامِسُ يَقولُ شَيئَينِ في كَلِمة: أنَّ حَولَه مَن يَنقادُ لَه، وأنَّ انقِيادَهُم مِنهُم يَبتَدِئُ لا مِنه يُنتَزَع.

«ثَمَّ»: ظَرفٌ يَرُدُّ إلى مَوقِفٍ ذُكِرَ قَبلَه

«ثَمَّ» بِفَتحِ الثّاءِ إشارةٌ إلى مَكان. لَيسَت أداةَ تَرتيبٍ تُباعِدُ بَينَ خَبَرَين، بل كَلِمةٌ تُشيرُ إلى مَوضِعٍ مَعهود. والمَوضِعُ لم يُستَأنَفْ هنا، فقد ذُكِرَ قَبلَها: «عِندَ ذي العَرش».

فالطّاعةُ مَوقوتةٌ بِمَوقِفِها. لم يَقُلْ «مُطاعٌ» مُطلَقاً فيَتَّسِعَ الوَصفُ إلى كُلِّ جِهة، بل رَبَطَه بِالمَوقِفِ الذي أُثبِتَ فيه ثَباتُه. والكَلِمةُ الصَّغيرةُ تَحرُسُ الوَصفَ من أن يُحمَلَ على غَيرِ مَوضِعِه.

ووَقَعَت «ثَمَّ» بَينَ الوَصفَينِ الأخيرَينِ لا قَبلَهُما ولا بَعدَهُما. فهي تَفصِلُ الطّاعةَ عن الأمانةِ فَصلاً يُبقي لِكُلٍّ مِنهُما وَجهَه.

«أَمِينٍ»: خِتامٌ يَعودُ إلى القَولِ الذي افتُتِحَ بِه

أ-م-ن تَوكيدٌ يَقطَع، ثُمَّ إيداعٌ في جَوفٍ يَحوي، ثُمَّ انبِعاثٌ لِلمُودَعِ من حَيثُ احتُبِس. ومنه الأمانة: ما يُوضَعُ في ذِمّةٍ لِيُرَدَّ كَما وُضِع.

وهذا آخِرُ الأوصافِ السِّتّة، وهو الذي يَرُدُّها كُلَّها إلى أوَّلِها. فقد بَدَأ الكَلامُ بِأنَّ ما يُتلى «قَولُ رَسولٍ»، أي مَحمولٌ لا مُنشَأ، ويَنتَهي بِأنَّ الحامِلَ أمين: ما دَخَلَ فيه خَرَجَ منه.

وتَنتَظِمُ السِّتّةُ على هذا: كَرَمٌ يَصونُ بِلا قَبض، وقُوّةٌ تَكفي لِلحَمل، ومَوقِفٌ عِندَ صاحِبِ الإحاطة، وثَباتٌ فيه، وطاعةٌ تُعطى هُناك، وأمانةٌ تُغلِقُ الدّائِرة. لَيسَ فيها وَصفٌ واحِدٌ لِلزّينة، وكُلُّها تَقولُ إنَّ الطَّريقَ من المُرسِلِ إلى السّامِعِ لم يُخرَقْ في مَوضِع.


حَصيلة

«مُطاع» اسمُ مَفعول: الوَصفُ مَقولٌ من جِهةِ المُطيعين. والجِذرُ ط-و-ع انبِساطٌ يَقبَلُ ثُمَّ يَظهَرُ القَبولُ من عُمقِ صاحِبِه، فالطّاعةُ تَنبُعُ من المُنقادِ ولا تُنتَزَعُ منه. و«ثَمَّ» إشارةُ مَكانٍ تَرُدُّ إلى المَوقِفِ المَذكورِ قَبلَها، فتَحبِسُ الطّاعةَ في مَوضِعِها ولا تُطلِقُها في كُلِّ جِهة، وقد وَقَعَت بَينَ الوَصفَينِ الأخيرَينِ فَصلاً يُبقي لِكُلٍّ وَجهَه. و«أمين» من أ-م-ن: تَوكيدٌ يَقطَع، فإيداعٌ في جَوف، فانبِعاثٌ لِلمُودَعِ من حَيثُ احتُبِس، وهو خِتامٌ يَرُدُّ الأوصافَ إلى أوَّلِها: قَولٌ مَحمولٌ يَخرُجُ كَما دَخَل. سِتّةُ أوصافٍ لا زينةَ في واحِدٍ منها، تَقولُ جَميعُها إنَّ الطَّريقَ لم يُخرَقْ في مَوضِع.