الانفطار · الآية 18

﴿ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ

«ثُمَّ»: تَراخٍ يُوضَعُ بَينَ السُّؤالِ ونَفسِه

لَو جاءَتِ الواوُ لَجَمَعَتِ السُّؤالَينِ في نَفَسٍ واحِد، ولَو جاءَتِ الفاءُ لَألصَقَتِ الثانيَ بِالأوَّلِ إلصاقاً، وقد أوثِرَت عَلَيهِما «ثُمَّ»، وهي الحَرفُ الذي يَترُكُ فُرجةً بَينَ ما قَبلَه وما بَعدَه.

فالمَسافةُ هي المَزيدُ دونَ اللَّفظ، وقد أُعيدَ السُّؤالُ بَعدَ أن أُخِذَ نَفَس، ومَن سُئِلَ مَرَّتَينِ بَينَهُما صَمتٌ غَيرُ مَن سُئِلَ مَرَّتَينِ مُتَتابِعَتَين.

و«ثُمَّ» في كَلامِ العَرَبِ تُرَتِّبُ في الرُّتبةِ كَما تُرَتِّبُ في الزَّمَن، فالسُّؤالُ الثاني دَرَجةٌ فَوقَ الأُولى، ولم يُجعَلْ إعادةً في مَكانِها.

«مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ»: سُؤالٌ يُعادُ بِلا زِيادةِ لَفظ

والكَلِماتُ خَمسٌ هي هي، لم تُبَدَّلْ ولم تُزَدْ، ولَو أُريدَ الإفهامُ لَجاءَ في الثانِيةِ وَصفٌ لم يَكُنْ في الأُولى.

فما يُقالُ بِالتَّكرارِ لا يُقالُ بِالكَلِمات، والسُّؤالُ الذي يُطرَحُ مَرَّتَينِ ولا يُزادُ فيه حَرفٌ سُؤالٌ جَوابُه لا يَكونُ كَلِمة.

والسّامِعُ في المَرّةِ الثانِيةِ غَيرُه في الأُولى، فالمَرّةُ الأُولى تَفتَحُ المَسافة، والثانِيةُ تُقيمُه فيها، والكَلامُ لم يَتَحَرَّك، والذي تَحَرَّكَ مَوقِفُ مَن يَسمَع.

«يَوْمُ الدِّينِ»: الثالِثةُ في أربَعِ آيات

ووَرَدَ «يَوْمُ الدِّينِ» ثَلاثَ مَرّاتٍ في أربَعِ آيات: الأُولى مَنصوبةٌ على الظَّرفِ في حاشِيَةِ جُملةٍ فِعلِيّة، والثانِيةُ مَرفوعةٌ مُبتَدَأً في سُؤال، والثالِثةُ مَرفوعةٌ في السُّؤالِ نَفسِه بَعدَ فُرجة.

فالتَّصعيدُ يَجري في ثَلاثِ خُطُوات: وِعاءٌ لِلفِعل، ثُمَّ مَوضوعٌ يُسأَلُ عَنه، ثُمَّ مَوضوعٌ يُسأَلُ عَنه من عَلٍ، ولم يوصَفِ اليَومُ في الخُطُواتِ الثَّلاثِ بِوَصفٍ واحِد.

ثُمَّ يَجيءُ ما بَعدَه فيُعيدُ الكَلِمةَ إلى النَّصبِ ولا يُعَرِّفُ بِها، والجَوابُ الذي يَنتَظِرُه السّامِعُ حَدّاً يَأتيه مَشهَداً، والسُّؤالُ عن الماهِيّةِ يُجابُ بِما يَقَعُ فيها، وهذا هو الجَوابُ الوَحيدُ الذي يُعطيه يَومٌ لم يَقَعْ بَعد.


حَصيلة

لم تُزَدْ في الآيةِ كَلِمة، وزيدَ في صَدرِها حَرفٌ واحِدٌ هو «ثُمَّ»، الذي يَترُكُ فُرجةً بَينَ ما قَبلَه وما بَعدَه ويُرَتِّبُ في الرُّتبةِ كَما يُرَتِّبُ في الزَّمَن، فالمَزيدُ مَسافةٌ لا لَفظ، والسُّؤالُ الثاني دَرَجةٌ فَوقَ الأوَّل، غَيرُ إعادةٍ في مَكانِها. وخَمسُ الكَلِماتِ هي هي، وما يُقالُ بِالتَّكرارِ لا يُقالُ بِها، أي إنَّ السُّؤالَ الذي يُعادُ ولا يُزادُ فيه حَرفٌ جَوابُه لا يَكونُ كَلِمة. وبِهذا تَتِمُّ ثَلاثُ خُطُواتٍ لِـ«يَوْمُ الدِّينِ» في أربَعِ آيات: وِعاءٌ لِلفِعلِ مَنصوبٌ في الحاشِية، ثُمَّ مَوضوعٌ مَرفوعٌ يُسأَلُ عَنه، ثُمَّ المَوضوعُ نَفسُه يُسأَلُ عَنه بَعدَ فُرجة. ولا وَصفَ لِليَومِ في الثَّلاث، والذي يَرتَفِعُ هو مَوقِعُ الكَلِمةِ ومَوقِفُ مَن يَسمَعُها.