الانفطار · الآية 19

﴿يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا ۖ وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئًا ۖ وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ

«يَوْمَ»: الجَوابُ يَجيءُ مَشهَداً لا حَدّاً

سُئِلَ مَرَّتَينِ «مَا يَوْمُ الدِّينِ»، والسُّؤالُ بِـ«مَا» يَطلُبُ الكُنه، فيَعودُ اللَّفظُ مَنصوباً على الظَّرفِ كَما كانَ أوَّلَ مَرّة، ويوصَلُ بِجُملةٍ تُخبِرُ بِما يَجري فيه.

فعُدِلَ عن أن يُقالَ «اليَومُ كَذا» إلى «يَومَ يَقَعُ فيه كَذا»، والحَدُّ يُغلِقُ، والمَشهَدُ يُري.

ومَن أرادَ أن يَعرِفَ يَوماً لم يَقَعْ بَعدُ لم يُعطَ إلّا هذا، واليَومُ الذي يوصَفُ بِما لا يَقَعُ فيه أشَدُّ حُضوراً من اليَومِ الذي يوضَعُ لَه تَعريف.

«لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ»: نَكِرَتانِ لا تُسَمَّيان، وإمساكٌ يُنفى

والمُلكُ من م-ل-ك، وهو تَجَمُّعٌ يَمتَدُّ ثُمَّ يُختَمُ بِقَطعٍ حاسِم، أي إمساكٌ تامٌّ بِكُلِّ ما يَمتَدُّ في الحَيِّز، والمَنفيُّ هو الإمساكُ نَفسُه، وليسَ العَونَ ولا الشَّفاعة.

ومادّةُ ن-ف-س انبِعاثٌ يَنفَتِحُ إلى الخارِجِ ويَنسابُ فيه بِاستِمرار، فالنَّفسُ في حُروفِها هي المُنفَتِحةُ على غَيرِها، وقد وَقَفَت بِها الآيةُ عِندَ حَدِّها، فهي تَنفَتِحُ ولا تُمسِكُ لِمَنِ انفَتَحَت عَلَيه شَيئاً.

وجاءَتا نَكِرَتَين، فلم تُسَمَّ الأُولى ولا الثانِية، ولم تُقَيَّدْ إحداهُما بِقَرابةٍ أو مَنزِلة، وحينَ لا يُسَمّى الطَّرَفانِ تَجري الجُملةُ في كُلِّ اتِّجاه، فلا هذه لِتِلك، ولا تِلكَ لِهذه. واللّامُ في «لِّنَفْسٍ» لامُ الاختِصاص، وقد ذُكِرَت هُنا لِيُخبَرَ بِأنَّها لا تَصِل.

«شَيْئًا»: نَكِرةٌ في سِياقِ النَّفي

والشَّيءُ من ش-ي-أ: انتِشارٌ سارٍ يُقطَعُ في طَرَفٍ مُؤَكَّد، أي ما تَمَيَّزَ من العُمومِ فصارَ واحِداً يُشار، فهو أقَلُّ ما يُفرَدُ ويُسَمّى.

والنَّكِرةُ الواقِعةُ في سِياقِ النَّفيِ تَعُمّ، فالمَنفيُّ أن يُفرَدَ طَرَفٌ واحِدٌ من كُلِّ الانتِشار، ولم يُقصَرِ النَّفيُ على نَوعٍ من النَّفعِ دونَ نَوع.

وهذا آخِرُ ما يُمكِنُ أن يُقال: بَعدَ نَفيِ الإمساكِ يُنفى المُمسَكُ حَتّى أدَقِّه، ولم يَبقَ في الكَفِّ ما يوصَفُ بِأنَّه ظَلّ.

«وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِّلَّهِ»: ظَرفٌ يُقَدَّمُ فيَحصُر، ولامٌ تَتِمُّ حَيثُ خابَت

والأمرُ من أ-م-ر، ومَعناه قَطعٌ يَضُمُّ ثُمَّ يَجري ويَمتَدُّ نَحوَ مَن يَستَقبِلُه، أي إرادةٌ تَتَجَمَّعُ في مَركَزٍ ثُمَّ تُطلَقُ إلى غَيرِها. والألِفُ واللّامُ في «وَالْأَمْرُ» لِاستِغراقِ الجِنس، فلا يَخرُجُ عَنه شَيءٌ من الأمر.

وكانَ يَستَقيمُ في الكَلامِ أن يُؤَخَّرَ الظَّرفُ عن الخَبَر، فقُدِّمَ عَلَيه ووُضِعَ بَينَ المُبتَدَإِ وخَبَرِه، وتَقديمُ ما حَقُّه التَّأخيرُ يُفيدُ الحَصر، فيَنعَقِدُ الاختِصاصُ بِذلك اليَومِ نَفسِه.

واللّامُ هي اللّامُ نَفسُها، جاءَت أوَّلاً في «لِّنَفْسٍ» فلم تَصِلْ إلى شَيء، وجاءَت آخِراً في «لِّلَّهِ» فوَسِعَتِ الأمرَ كُلَّه، فهذا الحَرفُ الواحِدُ في آيةٍ واحِدةٍ يَخيبُ ثُمَّ يَتِمّ.

ثُمَّ يَقَعُ في آخِرِ الكَلِمةِ شَيءٌ آخَر، فعَشرُ آياتٍ مُتَتالِياتٍ خُتِمَت كُلُّها بِمَدٍّ يَتلوهُ غُنَّة: بِالدِّينِ، لَحَافِظِينَ، كَاتِبِينَ، تَفْعَلُونَ، نَعِيمٍ، جَحِيمٍ، الدِّينِ، بِغَائِبِينَ، الدِّينِ، الدِّينِ، ثُمَّ خُتِمَتِ الأخيرةُ بِهاء، والقافِيةُ التي حَمَلَتِ المَقطَعَ كُلَّه تَقِفُ عِندَ آخِرِ لَفظٍ فيه، والذي أوقَفَها هو الاسم.


حَصيلة

يُجابُ السُّؤالُ المُكَرَّرُ بِلا حَدّ، فيَعودُ «يَوْمَ» مَنصوباً على الظَّرفِ كَما كانَ أوَّلَ مَرّة، ويوصَلُ بِما يَقَعُ فيه دونَ ما هو. ثُمَّ يُنفى الإمساكُ نَفسُه، والجِذرُ م-ل-ك تَجَمُّعٌ يَمتَدُّ ثُمَّ يُختَمُ بِقَطعٍ حاسِم، و ن-ف-س انبِعاثٌ يَنفَتِحُ إلى الخارِجِ ويَنسابُ فيه، فتَبقى النَّفسُ مُنفَتِحةً ولا تُمسِكُ لِمَنِ انفَتَحَت عَلَيه شَيئاً. والطَّرَفانِ نَكِرَتانِ لا يُسَمَّيان، فتَجري الجُملةُ في كُلِّ اتِّجاه، واللّامُ تُذكَرُ في «لِّنَفْسٍ» لِيُخبَرَ بِأنَّها لا تَصِل. ثُمَّ «شَيْئًا» من ش-ي-أ، وهو طَرَفٌ واحِدٌ يُقتَطَعُ من الانتِشارِ ويُؤَكَّد، ونَكِرَتُه في النَّفيِ تَعُمّ. ثُمَّ «وَالْأَمْرُ» من أ-م-ر، أي إرادةٌ تَتَجَمَّعُ ثُمَّ تُطلَق، وقد عُرِّفَ بِالاستِغراق، وقُدِّمَ «يَوْمَئِذٍ» على خَبَرِه فانعَقَدَ الحَصرُ بِذلك اليَوم. واللّامُ التي خابَت بَينَ نَفسٍ ونَفسٍ هي اللّامُ التي تَمَّت في آخِرِ الآية، وعِندَ آخِرِ لَفظٍ فيها تَقِفُ القافِيةُ التي حَمَلَت عَشرَ آياتٍ قَبلَها.