الانشقاق · الآية 22

﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ

«بَلِ»: إضرابٌ يَترُكُ السُّؤالَ ويُخبِرُ بِالفِعل

سُئِلَ قَبلَ آيَتَين: فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، وهو سُؤالٌ يَطلُبُ عِلّة، فلَمّا جاءَ الجَوابُ لم يَذكُرْ عِلّة. وقد جاءَ بِـ«بَل» فتَرَكَ السُّؤالَ في مَوضِعِه وانتَقَلَ إلى وَصفِ ما يَصنَعون.

وهذا أوَّلُ فِعلٍ مُثبَتٍ يُنسَبُ إلَيهِم في هذا السِّياق، فقد ذُكِرَ مَرَّتَينِ ما لا يَفعَلون: لا يُؤمِنون، ولا يَسجُدون، ثُمَّ ذُكِرَ مَرّةً واحِدةً ما يَفعَلون، ونَفيانِ لا يُعَرِّفانِ بِصاحِبِهِما ما يُعَرِّفُ بِه إثباتٌ واحِد.

«الَّذِينَ كَفَرُوا»: التَّغطِيةُ لا تَقَعُ إلّا على مَعروفِ المَوضِع

ومادّةُ ك-ف-ر كَتمٌ يُمسِكُ فيُبعِدُ ما كانَ يَنفُذ، ثُمَّ يَجري فيَمتَدُّ عَلَيه، ومِنه في كَلامِ العَرَبِ أنَّ الزّارِعَ يَكفُرُ البَذرَ إذا غَطّاه بِالتُّراب. والتَّغطِيةُ لا تَقَعُ إلّا على ما عُرِفَ مَوضِعُه، فمَن لم يَرَ شَيئاً لا يَمُدُّ يَدَه لِيَستُرَه.

وجاءَ الفِعلُ ماضِياً في صِلةِ المَوصول: «كَفَرُوا»، فهو فِعلٌ وَقَعَ وانقَضى، ثُمَّ صارَ وَصفاً يُعرَفونَ بِه. فالتَّغطِيةُ سابِقةٌ على ما سَيُذكَرُ بَعدَها، وما يَجيءُ بَعدَ السَّترِ يَجيءُ مَبنِيّاً عَلَيه.

«يُكَذِّبُونَ»: خُروجٌ حادٌّ مِمّا كُتِم

وأصلُ ك-ذ-ب مَكتومٌ يَنفُذُ مِنه حادٌّ مُتَّصِلٌ ثُمَّ يَتَعَلَّقُ بِما خَرَجَ إلَيه، فالكَذِبُ إخفاءٌ يَصحَبُه إخراجُ نُسخةٍ مُشَوَّهةٍ عَمّا في الباطِنِ والتَّمَسُّكُ بِها. والكافُ في صَدرِ الجِذرَينِ واحِدة، أحَدُهُما يُمسِكُ فيَستُر، والآخَرُ يُخرِجُ ما أمسَكَ مُعَوَّجاً، فهي يَدٌ واحِدةٌ تُغلِقُ ثُمَّ تَفتَحُ على غَيرِ ما أغلَقَت عَلَيه.

و«يُكَذِّبُونَ» مُضارِعٌ على وَزنِ فَعَّل، ومَعناه نَقلُ الحُكمِ بِالكَذِبِ إلى ما جاءَ بِه غَيرُهُم، والمُضارِعُ يَجعَلُه مُتَّصِلاً، لا واقِعةً واحِدة. ولم يُذكَرْ لِلفِعلِ مَفعول، فهو ثالِثُ فِعلٍ في السّورةِ يَبقى عارِياً بَعدَ «لَا يُؤْمِنُونَ» و«لَا يَسْجُدُونَ»، تُحكى فيه الحَرَكةُ ويُسكَتُ عَمّا وَقَعَت عَلَيه.


حَصيلة

و«بَل» تَترُكُ سُؤالَ «فَمَا لَهُمْ» بِلا عِلّةٍ وتَنتَقِلُ إلى الخَبَر، فيَجيءُ أوَّلُ فِعلٍ مُثبَتٍ يُنسَبُ إلَيهِم بَعدَ نَفيَين. و«كَفَرُوا» من ك-ف-ر، وهو كَتمٌ يُمسِكُ فيُبعِدُ ما كانَ يَنفُذُ ثُمَّ يَمتَدُّ عَلَيه، ومِنه تَغطِيةُ البَذرِ بِالتُّراب، ولا يُغَطّى إلّا ما عُرِفَ مَوضِعُه. وقد جاءَ ماضِياً، فصارَ الوَصفُ سابِقاً على ما بَعدَه. و«يُكَذِّبُونَ» من ك-ذ-ب، ومَعناه خُروجٌ حادٌّ مِمّا كُتِمَ يَتَعَلَّقُ بِما خَرَجَ إلَيه، فالكافُ نَفسُها في الجِذرَين، واحِدٌ مِنهُما يَستُر، وآخَرُ يُخرِجُ المَستورَ مُعَوَّجاً. والمُضارِعُ يُديمُ الفِعل، والمَفعولُ مَحذوفٌ كما حُذِفَ قَبلَه مَرَّتَين، ومَن غَطّى ما عَرَفَه لم يَبقَ لَه إلّا أن يُخرِجَ غَيرَه.