البقرة · الآية 206

﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ ۚ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ ۚ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ

(و ق ي): التَّنبيهُ الأخلاقيُّ كَدَعوةٍ لِبِناءِ حاجز

أُؤكّدُ أنَّ «اتَّقِ الله» في جذرِها (و ق ي) دَعوةٌ لِبِناءِ حاجزٍ فاصلٍ بَين الفِعلِ وما يَضُرُّ صاحبَه. لا تَعني مُجرَّدَ الخَوف، بَل اتِّخاذَ حِمايةٍ داخليّةٍ مَمنوحةٍ بِمُوجَبِ العَلاقةِ مع الله.

وأُلاحظُ أنَّ هذا التَّنبيهَ يَأتي في سِياقِ مُحاولةِ إصلاح. شَخصٌ ما يُذَكِّرُ المُفسدَ بِأنَّ ما يَفعَلُه يُشَقِّقُ هذا الحاجزَ الدَّاخليّ. هي نَصيحةٌ طِبيّةٌ لا إدانةٌ قانونيّة.

(أ خ ذ) + (ع ز ز): العِزَّةُ فاعلةٌ والإنسانُ مَفعولٌ بِها

أُبَيِّنُ أنَّ البِنيةَ النَّحويّةَ لِلآيةِ تَكشفُ تَشخيصاً نَفسيّاً عَميقاً: «أَخَذَتهُ العِزَّة». العِزَّةُ هي الفاعلُ، والرَّجلُ هو المَفعولُ بِه. هذا قَلبٌ لِما يَتَخَيَّلُه المُتَكَبِّرُ عن نَفسِه: هو يَظُنُّ أنَّه يَملُكُ كِبرياءَه، والحقيقةُ أنَّ كِبرياءَه تَملُكُه.

وأُلاحظُ أنَّ الجذرَ (أ خ ذ) يَدلُّ على القَبضِ بِقوّةٍ تَمنَعُ الفِكاك. يُقالُ: أَخَذَتهُ الغَضبَةُ، أَخَذَتهُ الحُمّى. الإنسانُ في هذه الحالةِ لا يَختار، بَل تَختارُ له عاطفَتُه. كذلكَ صاحبُنا: كِبرياؤه تَتَحَرَّكُ به كَما تَتَحَرَّكُ الحُمّى بِالمَحموم.

وأُؤكّدُ أنَّ (ع ز ز) في جذرِها تَعني الصَّلابةَ والمَنَعَة. العَزيزُ الذي لا يُلامَس. في حَقِّ الله، صِفَةُ كَمالٍ تُدَلُّ على أنَّه لا تُدرِكُه النَّقائص. وفي حَقِّ هذا الشَّخص، صِفَةُ انقِلاب: تُشَدُّ نَفسُه حتى تَعجِزَ عن الانحِناءِ لِلحَقّ.

«بِالإثم»: الإثمُ وَسيلةٌ تَتَشَبَّثُ بِها الكِبرياء

أؤكّدُ أنَّ «بِالإثم» لَيسَت زائدةً، بَل أداةٌ لِبَيانِ كَيفَ تَعمَلُ العِزَّةُ عَمَلَها. الجارُّ «بـ» هُنا سَبَبيٌّ أو آليّ: العِزَّةُ تَأخُذُه بِواسِطةِ الإثم. أيْ تَستَخدِمُ ثِقَلَ إثمِه السَّابقِ كَمَقبَضٍ تَقبِضُ به عليه.

وأُلاحظُ أنَّ هذا تَشخيصٌ نَفسيٌّ دَقيق: الشَّخصُ الذي يَتَراكَمُ عَليه الإثمُ يَصيرُ هذا الإثمُ نَفسُه عَائقاً يَمنَعُه من التَّراجُع. لأنَّ التَّراجُعَ يَعني الاعتِرافَ بِثِقَلِ الإثمِ السَّابق، وهذا الاعتِرافُ يَجرَحُ كِبرياءَه. فَيُفَضِّلُ المُضِيَّ في الإثمِ على فَتحِ جُرحٍ في كِبريائه. الإثمُ هنا يَصيرُ مَقبضاً تَقبِضُ به الكِبرياءُ على صاحبِها.

(ح س ب) في «فَحَسبُه جَهَنَّم»: الحِسابُ المُقابلُ لِلعَدّ الداخليّ

أُبَيِّنُ أنَّ «حَسبُه» من الجذرِ (ح س ب) الذي يُعَبِّرُ عن العَدِّ الدَّقيقِ. فَمَعنى «حَسبُه جَهَنَّم»: كَفَتهُ جَهَنَّمُ عَدَداً في حِسابِه، أي تَكفي وَحدَها لِإيفائه ما اكتَسَب.

وأُلاحظُ أنَّ هذه الكَلِمةَ دَقيقةٌ في السِّياق: الإنسانُ الذي يَتَعالى بِكِبريائه يَضَعُ نَفسَه في مَوقفٍ يَقبَلُ الكَثيرَ من الإنجازات، والقرآنُ يَقول: «يَكفيه» جَهنَّمُ، أي تَسُدُّ وَحدَها كُلَّ حاجتِه. جَوابٌ ساخرٌ على ادِّعاءِ الكِبرياء.

(م ه د): جَهَنَّمُ كَفِراشٍ اختارَه صاحِبُه بِنَفسِه

أُؤكّدُ أنَّ الجذرَ (م ه د) يَدلُّ على فَرشِ الشَّيءِ وتَهيِئَتِه لِلنَّوم. المَهدُ فِراشُ الطِّفل. والمِهادُ كلُّ ما فُرِشَ لِلنَّوم. والأرضُ مَهَّدَها الله، أي بَسَطَها.

وأُلاحظُ أنَّ هذه الكَلِمةَ في خِتامِ الآيةِ تَحمِلُ دَلالةً عَميقة: جَهَنَّمُ لَيسَت عُقوبةً خارجيّةً تُلقى على الإنسانِ من مَصدَرٍ غَريبٍ عنه، بَل فِراشٌ أعَدَّه الإنسانُ بِنَفسِه وسَيَنامُ عَليه. كلُّ فِعلٍ من أفعالِه يَصنَعُ خَيطاً من خُيوطِ هذا الفِراش، وفي النِّهايةِ يَنامُ على ما فَرَشَ.

وأُبَيِّنُ أنَّ «لَبِئسَ المِهاد» تَأكيدٌ سَلبيٌّ: هو فِراشٌ في الصُّورةِ، لكنَّه فِراشٌ يَعذِّبُ لا يُريح. مِهادُ مَن يَستَلقي على كَبريائه طِوالَ حَياتِه، سَيَستَيقظُ عَليه نارا.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: العِزَّةُ هنا ليست صِفَةَ نُبلٍ يَحمِلُها الإنسان، بَل قوّةٌ نَفسيّةٌ تَأخُذُه وتَستَخدمُ إثمَه السَّابقَ مَقبضاً لِتَمنَعَه من التَّراجُع، وجَهَنَّمُ التي يَنتَهي إليها ليست عُقوبةً خارجيّة بَل مِهادٌ نَسَجَه بِفِعلِه وسَيَنامُ عَلَيه.


حَصيلة

تَختِمُ هذه الآيةُ الثُّلاثيّةَ 204-206 بِتَشخيصٍ نَفسيٍّ دَقيق. حين يَسمَعُ صاحبُ القَولِ المُعجِبِ كَلمةَ «اتَّقِ الله» وهي من -و-ق-ي- دَعوةٌ لِبِناءِ حاجزٍ أخلاقيٍّ، تَكشِفُ الآيةُ البِنيةَ النَّحويّةَ ببَلاغةٍ صارِمة: أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾، فالعِزَّةُ من -ع-ز-ز- هي الفاعِلُ والرَّجلُ هو المَفعولُ به. هو يَظُنُّ أنَّه يَملِكُ كِبرياءَه والحَقيقةُ أنَّ كِبرياءَه تَملِكُه كما تَملِكُ الحُمَّى المَحموم. والجذرُ -أ-خ-ذ- يُفصِحُ: قَبضٌ اختَرقَ المَأخوذَ وجَذَبَه حتى صارَ تَحتَ سُلطانِ الآخِذ، لا اختيارَ فيه. ثمَّ الباءُ في «بِالإثمِ» آليّةٌ: الكِبرياءُ تَستَخدمُ الإثمَ السَّابقَ مَقبضاً لِأنَّ الاعتِرافَ بِه سَيَجرَحُ الكِبرياء، فيُفَضِّلُ المُضيَّ في الإثمِ على فَتحِ جُرحٍ فيها. هذا تَراكُمٌ بُنيَويٌّ لا مُجَرَّدَ عِنادٍ عابِر. ثمَّ يأتي -ح-س-ب- في «فَحَسبُه جَهنَّم» رَدّاً ساخِراً: تَكفيه وَحدَها عَدداً في حِسابِه. والخِتامُ من -م-ه-د-: المِهادُ الفِراشُ الذي يُفرَشُ للنَّوم، وجَهنَّمُ كَمِهادٍ فِراشٌ أعَدَّه صاحِبُه بِنَفسِه خَيطاً خَيطاً بِكلِّ فِعلِ إثمٍ وكِبرياء.