البقرة · الآية 205

﴿وَإِذَا تَوَلَّىٰ سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

(و ل ي): التَّوَلّي كَإدارةِ ظَهرٍ عن فَضاءِ الشَّهادة

ومَدارُ (و ل ي) على القُربِ والإدبارِ مَعاً بِحَسَبِ السِّياق، يُقالُ: وَلِيَ الشَّيءَ، إذا اقتَرَبَ مِنه وتَصَرَّفَ فيه، وتَوَلّى عَنه، إذا أدارَ لَه ظَهرَه، فـ«إذا تَوَلّى» مَعناه إذا غادَرَ فَضاءَ المُراقَبةِ وانصَرَفَ إلى حَيِّزٍ آخَر.

وهذا الفِعلُ يُقابِلُ إعجابَ القَولِ في الآيةِ السّابِقة: حينَ يَكونُ في المَجلِسِ يُعجِبُ قَولُه، وحينَ يُدبِرُ يَكشِفُ عن حَقيقةِ مَشروعِه، وهذه بِنيةُ شَخصيّةٍ مُزدَوَجة: واجِهةٌ لَفظيّةٌ وباطِنٌ تَدميريّ.

(س ع ي): السَّعيُ تَخطيطٌ مُتَحَرِّك لا اندِفاعةٌ عَشوائيّة

ومَدارُ (س ع ي) على السَّيرِ مع قَصدٍ مُحَدَّد، ولا يَقِفُ مَعناه عِندَ المَشيِ السَّريع، يُقالُ: سَعى في حاجَتِه، وسَعى بَينَ الصَّفا والمَروة، وفي المَوضِعَينِ كِلَيهِما حَرَكةٌ مُحَدَّدةُ الهَدَف.

و«سَعى في الأرضِ لِيُفسِد» تَصويرٌ لِشَخصٍ يَتَنَقَّلُ في مَواقِعِ الإنتاجِ والحَياةِ بِقَصدِ الإفسادِ المُخَطَّط، وهو فاعِلٌ يَتَحَرَّكُ بِنيّةٍ مُبَيَّتةٍ لِلإتلاف، وليس شَخصاً سَيِّئَ الأخلاقِ فَحَسب.

(ف س د): الفَسادُ خَلعُ الشَّيءِ عن هَيئَتِه الصَّالحة

و(ف س د) يُقابِلُ (ص ل ح)، والصَّلاحُ كَونُ الشَّيءِ مُوائِماً لِوَظيفَتِه، والفَسادُ خُروجُه عن هذه المُوائَمة، فالفَسادُ في الأرضِ إخراجُ عَناصِرِ الحَياةِ عن وَظائِفِها المَنسوجة، ولا يَنحَصِرُ في أذيّةٍ عابِرة.

والقرآنُ يَستَعمِلُ الفَسادَ دائِماً في نِطاقٍ بِنيَويٍّ لا فَرديّ، كما في «ظَهَرَ الفَسادُ في البَرِّ والبَحر»، و«لا تُفسدوا في الأرضِ بَعدَ إصلاحِها»، والفَسادُ فيه أنظِمةٌ تُخَرَّب، لا أفرادٌ يَغفُلون.

(ح ر ث): الحَرثُ كَنِظامِ الغِذاء

وأصلُ (ح ر ث) شَقُّ الأرضِ وزَرعُها، والحَرثُ الأرضُ المُهَيَّأةُ لِلزَّرعِ ومَحصولُها، ويُستَعمَلُ في القرآنِ مَجازاً عن كُلِّ نَشاطٍ يُنتِجُ قوتاً ومَوارِد.

وإهلاكُ الحَرثِ في هذه الآيةِ هُجومٌ على نِظامِ الغِذاءِ بِوَصفِه مَنظومة، وليس قَطعَ شَجَرةٍ واحِدة، ويَدخُلُ في «إهلاكِ الحَرث» حَرقُ المَحاصيلِ وتَلويثُ الأرضِ واحتِكارُ القوتِ وإفسادُ الأسواقِ الغِذائيّة، فالأمرُ تَدميرٌ مَنهَجيٌّ، لا حَوادِثُ جُزئيّة.

(ن س ل): النَّسلُ كَنِظامِ الاستِمرارِ البَشَريّ

ومَدارُ (ن س ل) على الخُروجِ المُتَتابِعِ من الشَّيء، والأنسالُ ما يَخرُجُ من الآباءِ من أولاد، و«يَنسِلون» يَخرُجونَ بِتَتابُع، فالنَّسلُ مَنظومةُ الامتِدادِ البَيولوجيِّ لِلإنسان.

والجَمعُ بَينَ الحَرثِ والنَّسلِ جَمعٌ بَينَ قاعِدَتَيِ الحَياة: قاعِدةِ التَّغذيةِ التي تُبقي الحاضِرَ حَيّاً، وقاعِدةِ التَّوالُدِ التي تَصنَعُ المُستَقبَل، ومَن يُدَمِّرُ هاتَينِ المَنظومَتَينِ يَقطَعُ على الإنسانيّةِ حُضورَها وامتِدادَها مَعاً.

وهذا التَّشخيصُ القرآنيُّ يَتَجَلّى اليَومَ في صُوَرٍ مُرَكَّبة: الإبادةِ الجَماعيّة، والحُروبِ التي تُدَمِّرُ الأراضيَ الزِّراعيّة، والاقتِصادِ الذي يَقتُلُ المَحاصيلَ لِرَفعِ الأسعار، والسِّياساتِ التي تَحولُ دونَ التَّوالُدِ الطَّبيعيّ، وكُلُّها فَسادٌ بِمَعناه البِنيَويّ.

(ح ب ب): نَفيُ مَحَبَّةِ اللهِ كَإعلانِ مُفاصَلة

وأصلُ (ح ب ب) لُزومُ القَلبِ لِلشَّيءِ والمَيلُ الدّائِمُ إلَيه، والحُبُّ احتِضانٌ داخِليٌّ يُبقي المَحبوبَ في دائِرةِ الاهتِمامِ المُستَمِرّ.

و«واللهُ لا يُحبُّ الفَسادَ» إعلانُ انفِصالٍ بِنيَويّ، وليست جُملةً عاطِفيّة، والفَسادُ خارِجَ دائِرةِ الاحتِضانِ الإلهيّ، ومَن يَسعى فيه خارِجٌ عن مَعيّتِه. وهذا الكَشفُ يَرفَعُ السِّتارَ عن «يُشهِدُ اللهَ على ما في قَلبِه»: اللهُ الذي يَستَشهِدُه هو نَفسُه الذي لا يَحتَضِنُ فَسادَه.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: الفَسادُ مَشروعُ إتلافٍ يَستَهدِفُ مَنظومَتَيِ الحَياة، الحَرثَ الذي يُغَذّيها والنَّسلَ الذي يُديمُها، وليس سوءَ خُلُقٍ فَرديّاً، فيَكشِفُ الفاعِلَ عَدُوّاً بِنيَويّاً لِلاستِمرارِ الإنسانيّ، مَهما تَجَمَّلَ قَولُه.


حَصيلة

تُكمِلُ هذه الآيةُ بِنيةَ الشَّخصيّةِ التي بَدَأت في الآيةِ 204 فتُعَرّيها: حينَ يُغادِرُ المَجلِسَ يَنكَشِفُ باطِنُه. والجِذرُ -و-ل-ي- مَعناه الاتِّصالُ بِالشَّيءِ أو الإدبارُ عَنه، فـ«إذا تَوَلّى» إدبارٌ عن فَضاءِ المُراقَبةِ وانفِتاحٌ على البِنيةِ التَّدميريّة. ثُمَّ يَأتي الجِذرُ -س-ع-ي-، وهو سَيرٌ بِقَصدٍ مُلتَصِقٍ بِالهَدَف، والمَشيُ السَّريعُ وَحدَه لا يُؤَدّي مَعناه: سَعَىٰ فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾، فالفاعِلُ يَتَنَقَّلُ بِنيّةٍ مُبَيَّتة. والفَسادُ من -ف-س-د- خَلعُ الشَّيءِ عن هَيئَتِه الصّالِحةِ لِوَظيفَتِه، ويُقابِلُه -ص-ل-ح-، وهو في القرآنِ بِنيَويٌّ دائِماً: أنظِمةٌ تُخَرَّبُ لا زَلّاتٌ تَقَع. ثُمَّ تَأتي الضَّربةُ المُزدَوِجة: -ح-ر-ث- نِظامُ الغِذاءِ الذي يُبقي الحاضِرَ حَيّاً، و-ن-س-ل- نِظامُ التَّوالُدِ الذي يَصنَعُ المُستَقبَل، ومَن يُدَمِّرُ القاعِدَتَينِ يَقطَعُ على الإنسانيّةِ حُضورَها وامتِدادَها في آنٍ واحِد. وتَختِمُ الآيةُ بِإعلانِ انفِصالٍ إلهيٍّ من -ح-ب-ب-: «واللهُ لا يُحبُّ الفَساد» يَرُدُّ على صاحِبِنا الذي يُشهِدُ اللهَ على ما في قَلبِه بِأنَّ اللهَ الذي يَستَشهِدُه هو نَفسُه الذي لا يَحتَضِنُ فَسادَه.