البقرة · الآية 32

﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ

«سُبْحَانَكَ» من (س ب ح): تبرئةُ الحقِّ عن النَّقصِ قبل التَّلقّي

في حروف (س ب ح) حركةٌ ممتدّةٌ في وسطٍ نقيّ: السين امتدادٌ، يتّصل بالباء، في وسطٍ حيٍّ نقيٍّ هو الحاء، ومنه السباحة. وقولُ الملائكة «سُبحانك» إعلانٌ بأنّ الحقّ بعيدٌ عن كلّ نقصٍ يعلق بالفاعلين، وهو غيرُ ترديدٍ لصيغة تنزيه. ولتقديم هذه الجملة على الإقرار بالعجز وظيفةٌ دقيقة: من أقرّ أوّلاً بأنّ الحقّ لا يُشينه نقص لم يجد في عجز نفسه ما يُشكّك فيه سبحانه، ومن ابتدأ بعجزه قبل تنزيه ربّه خرج عجزُه احتجاجاً. فالتسبيح في هذا الموضع شرطٌ في صحّة الاعتذار، لا زخرفٌ يسبقه.

«لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا»: الإقرارُ بالحدِّ شرطٌ في التَّلقّي

والمعنى في قول الملائكة أنّ قدرتها على التمييز نفسَها عطاءٌ من ربّها، وليست ملكةً ذاتيّة. وهذا الاعتراف هو بالضبط ما يُفرّقها عن إبليس في المشهد اللاحق: الملائكة تلقّت لأنّها أقرّت بحدودها، وإبليس رُدّ لأنّه ادّعى ما ليس له. ومن ادّعى علماً لم يُعلَّمه بنى في ذهنه حاجزاً يصدّ عنه الهدى، والهدى إشارةُ طريقٍ لا تصل إلى ذهنٍ ملأه صاحبه بدعوى، كالإناء الممتلئ لا يقبل ما يُصبّ فيه. فالإقرار بالجهل هو الخطوة الأولى في منظومة التعلّم، ولا يقف عند التواضع الأدبيّ، وحَجزُ النفس عن الادّعاء ضربٌ من التقوى الوقائيّة التي تمنع الكارثة قبل وقوعها. وقد لا تحتاج الملائكة هذه اللغة أصلاً، إذ هي من عالمٍ لا لَهاةَ فيه ولا حَلقَ ولا أدواتِ نطقٍ بشريّ، غير أنّها أُنطقت بها لِتُعلَّمَنا كيف يُفتح باب التلقّي.

«الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ»: العلمُ تمييزٌ والحِكمةُ وضعٌ في الموضِع

و«العَليم» من (ع ل م)، وهو المتّصف بالتمييز، و«الحَكيم» من (ح ك م)، وهو الذي يضع كلّ شيءٍ في موضعه الثابت، ومادّته احتواءٌ حيٌّ في الحاء، بإمساكٍ محكمٍ في الكاف، يتجمّع في وحدةٍ متماسكةٍ في الميم. والاسمان متلازمان لا يُفصل أحدهما عن الآخر: العلم الدقيق بالشيء يُتبعه وضعُه في موضعه الصحيح، ولولا العلم لجاء الوضع ارتجالاً، ولولا الحكمة لبقي العلم نظراً بلا أثر. وفي ختم الملائكة بهذين الاسمين إقرارٌ بمبدأ الجزاء في الكون، وهو أنّ الحكيم لا يضع الأمانة إلا في كائنٍ يحملها، ولا يضع الاستخلاف إلا في كائنٍ جُهِّز له. فاستخلاف آدم الذي استشكلته الملائكة واقعٌ في موضعه الصحيح، لأنّه مقتضى الإرادة التي حملها دون سائر الخلق. فالكلمة تسبق المصطلح، والدور يسبق الهويّة، والملائكة أقرّت بحدّ مقامها ولم تُنازعه، فاتّسع لها باب التعلّم.


حَصيلة

الجَوابُ المَلائكيُّ في هذه الآيةِ دَرسٌ في بِنيةِ التَّلَقِّي، ولَيسَ اعتِذاراً. افتَتَحَتِ المَلائكةُ بـسُبْحَانَكَ﴾، وهو من جِذرِ س-ب-ح، ومَعناه السَّيَلانُ النَّقيُّ البَعيدُ عن كُلِّ عالِقة، وهو تَنزيهٌ يَسبِقُ الاعتِرافَ لِيُزيلَ عَنه كُلَّ ظِلِّ احتِجاج. ثُمَّ جاءَ الإقرارُ دَقيقاً في صِياغَتِه، فعُدِلَ فيه عن «لا نَعرِفُ شَيئاً» إلى لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾، وهذا التَّمييزُ حاسِم: قُدرةٌ كامِلةٌ داخِلَ ما أُودِع، حُدودُها من الخارِج. والفَرقُ بَينَ المَلائكةِ وآدمَ نَوعِيٌّ غَيرُ كَمِّيّ: المَلائكةُ تَستَقبِلُ الإبرازَ ساكِنةً، وآدمُ يُبرِزُ بِما عُلِّم. والذي أكَّدَه هذا الإقرارُ من الجِهةِ المُقابِلةِ أنَّ مَن يَدَّعي مَعرِفةً لم تُودَعْ فيه يَبني في ذِهنِه حاجِزاً يَصُدُّه عَمّا يَأتيه. ثُمَّ خُتِمَتِ الآيةُ بِاسمَينِ مُتَلازِمَين: «العَليمُ» إبرازٌ من العُمقِ بِلا حَدّ، و«الحَكيمُ» من جِذرِ ح-ك-م، وهو وَضعُ كُلِّ شَيءٍ في مَوضِعِه الثّابِت، كالحَكَمةِ في فَمِ الفَرَس. والمَعرِفةُ الدَّقيقةُ بِالشَّيءِ تَستَتبِعُ وَضعَه في مَكانِه، والحِكمةُ فِعلُ إحكامٍ، وليسَت صِفةً أدَبِيّة: استِخلافُ آدمَ الذي استَشكَلَته المَلائكةُ في 2:30 كانَ في مَوضِعِه الصَّحيح، لأنَّ العَليمَ الحَكيمَ يَضَعُ الأمانةَ حَيثُ الجِهازُ الذي يَحمِلُها. والكَلِمةُ قَبلَ المُصطَلَح، والحَدُّ المُعتَرَفُ بِه بَوّابةُ التَّلَقِّي، وليسَ عُنوانَ الهَزيمة.