البقرة · الآية 31

﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ

«عَلَّمَ» من (ع ل م): إظهارُ السِّمَةِ التي تُمَيِّزُ، لا حَشوُ المَعلومات

أصلُ الجِذرِ (ع-ل-م) إحكامُ علامةٍ يَتَمَيَّزُ بها الشَّيءُ من غَيرِه. والعَينُ قَبضٌ من عُمقِ الحَلق، واللاّمُ تَعَلُّقٌ يَمتَدّ، والميمُ تَجَمُّعٌ يَحفَظ. والنَّواةُ «عَل» شِدّةٌ من عُمقٍ تَمتَدُّ إلى السَّطح، فيَنضَمُّ ما كانَ في الباطِنِ علامةً يَتَمَيَّزُ بها الشَّيء. ومن هذا الجِذرِ تَخرُجُ ثَلاثُ كَلِماتٍ مُتَّصِلة: «العَلامةُ» لِما يَدُلُّ على الشَّيءِ ويَفصِلُه عن غَيرِه، و«العِلمُ» لإحكامِ هذا الإدراك، و«العالَمُ» لِكَيانٍ يَحمِلُ في ذاتِه علامةً تَدُلُّ على صانِعِه. فالجِذرُ في أصلِه قُدرةٌ على رُؤيةِ السِّمَةِ الفاصِلة، وليسَ مَخزَنَ مَعلوماتٍ يُحشى.

ثُمَّ جاءَ وَزنُ التَّفعيلِ في «عَلَّمَ» فأضافَ إلى هذا الجِذرِ شِحنةَ المُلازَمةِ والقَصدِ والتَّكرارِ في الإظهار، فهو إظهارٌ مَقصودٌ مُلازِمٌ لِلسِّمَةِ حتّى تَستَقِرَّ في رُؤيةِ المُتَعَلِّم، دونَ إبراقٍ عابِر. والآيةُ تُحَدِّدُ المَواضِعَ الثَّلاثةَ بِدِقّة: المُعَلِّمُ هو اللهُ مُباشَرةً، والفاعِلُ ضَميرٌ مُستَتِرٌ يَعودُ عَلَيه، والمُتَعَلِّمُ آدمُ بِالاسم، والمَوضوعُ «الأسماءُ كُلُّها»، أي السِّماتُ المُمَيِّزةُ في كُلِّ شَيء. فالذي عُلِّمَه آدمُ عَلاماتٌ أظهَرَها اللهُ لَه فأصبَحَ يَرى السِّمَةَ المُمَيِّزةَ في كُلِّ مَوصوف، وهو غَيرُ قائِمةِ ألفاظٍ يَحفَظُها، وغَيرُ قُدرةٍ كانَت كامِنةً في فِطرَتِه فاستُخرِجَت. وفي الآيةِ السّابِقةِ قالَ لِلمَلائكة إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، فالتَّعليمُ هُنا إجراءٌ عَمَلِيٌّ لِما أُعلِنَ هُناك، والذي خَفِيَ على المَلائكةِ من شَأنِ الخَليفةِ هو هذه القُدرةُ على إدراكِ السِّمَة، يُختَبَرونَ فيها فيَعجِزون. والكَلِمةُ في ذلك سابِقةٌ على المُصطَلَح، والجِذرُ سابِقٌ على الوَزن.

«الأسماء» من (س م و): الاسمُ هو السِّمَةُ التي تَرفَعُ الشَّيء

ومَدارُ جِذرِ «الاسم» (س م و) على ما يَرتَفِعُ ويَتَمَيَّز، ومِنه «السَّماءُ» لِما عَلا، و«السُّمُوُّ» لِلارتِفاع، و«السِّمَةُ» لِلعَلامةِ التي تَخُصُّ الشَّيءَ دونَ غَيرِه فيُعرَفُ بِها. فالاسمُ في اللِّسانِ العَرَبِيِّ سِمَةٌ تَجمَعُ خَصائِصَ الشَّيءِ ثُمَّ تَرفَعُها فَوقَ إبهامِه فيُمَيَّز، وليسَ لافِتةً اعتِباطِيّةً يَتَّفِقُ النّاسُ على إلصاقِها بِالمُسَمّى. ومن أمثِلةِ ذلك في العَرَبِيّةِ أنَّ «الشَّجرةَ» سُمِّيَت كذلك من التَّشَجُّرِ والتَّشابُك، ومن الجِذرِ نَفسِه «شَجَرَ بَينَهُما خِلاف»، و«القَلَمَ» من القَلْمِ، وهو القَطعُ والبَري، و«النَّجمَ» من نُجومِه، أي طُلوعِه بَعدَ خَفاء. والكَلِمةُ تَجمَعُ سِمةَ المُسَمّى فلا يَصلُحُ غَيرُها. وعلى هذا فمَعنى قَولِه «وعَلَّمَ آدمَ الأسماءَ كُلَّها» تَمكينُه من الرُّؤيةِ التي تَرى السِّمَةَ المُمَيِّزةَ في كُلِّ شَيء، ثُمَّ تُعَيِّنُها في لَفظٍ يَخُصُّها. وكَلِمةُ «كُلَّها» تُغلِقُ بابَ التَّجزِئة، فلا فِئةَ من المَخلوقاتِ خارِجَ هذه القُدرة، والقُدرةُ التي أُعطِيَها آدمُ تَستَوعِبُ السِّماتِ كُلَّها بِلا استِثناء.

«ثُمَّ عَرَضَهُمْ» وضَميرُ العاقِل: مَشهَدُ الامتِحان

وبَعدَ أن تَمَّ التَّعليمُ جاءَ العَرض: ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾. والضَّميرُ «هم» مَحَلُّ نَظَر، فقد عُدِلَ عن ضَميرِ غَيرِ العاقِلِ في «عَرَضَها» إلى ضَميرِ العاقِلِ في «عَرَضَهُم»، والمُسَمَّياتُ المَعروضةُ على المَلائكةِ تُعامَلُ في النَّحوِ مُعامَلةَ ذَواتٍ لَها هُوِيّةٌ تَستَحِقُّ التَّعيين، لا أشياءَ مُبهَمة. وجِذرُ (ع-ر-ض) يَدُلُّ على وَضعِ الشَّيءِ في مَوقِعٍ يُرى فيه ويُتَأَمَّل، ولا يَقِفُ عِندَ الإخبارِ بِه، فالامتِحانُ مَشهَدِيٌّ يَحدُثُ أمامَ المَلائكةِ بِحُضورِ المُسَمَّيات. ثُمَّ جاءَت صيغةُ السُّؤال: أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ﴾، والإشارةُ بِـ«هَؤُلاءِ» مَوضِعِيّةٌ تَفتَرِضُ حُضورَ المُسَمَّياتِ أمامَ المَسؤولين، فالامتِحانُ عن حاضِرٍ يُرى ويَنتَظِرُ مَن يُعَيِّنُه بِسِمَتِه، وليسَ عن غائِبٍ يَستَدعي ذاكِرة. وهذه دِقّةٌ في بِنيةِ المَوقِف: المَلائكةُ تَرى ما يَراه آدم، والفَرقُ بَينَهُما في القُدرةِ على التَّعيينِ بِالسِّمَة، لا فيما تَقَعُ عَلَيه العَين.

«أَنبِئُونِي» و«صَادِقِين»: الامتِحانُ تَعيينٌ لا استِرجاع

ومَدارُ (ن-ب-أ) على الإخبارِ بِأمرٍ ذي شَأنٍ ووَزن، وهو غَيرُ الإخبارِ بِأيِّ شَيء. ولِذلك كانَ المَطلوبُ من المَلائكةِ بِقَولِه أَنبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَٰؤُلَاءِ﴾ تَعيينَ كُلِّ شَيءٍ بِسِمَتِه التي تَخُصُّه، أي أن تَقولَ «ما هو هذا» دونَ «ما اسمُ هذا»، ولم يَكُنِ المَطلوبُ تَكرارَ ألفاظٍ سَمِعَتها. والفَرقُ بَينَهُما جَوهَرِيّ: الأوّلُ تَكرارٌ يَستَوي فيه كُلُّ حافِظ، والثّاني تَعيينٌ يَفتَرِضُ في صاحِبِه قُدرةً على إدراكِ السِّمَةِ ثُمَّ النُّطقِ بِها. وقد عَجَزَتِ المَلائكةُ هُنا لأنَّ الذي طُلِبَ مِنها قُدرةٌ من جِنسٍ آخَر، هي القُدرةُ التي عُلِّمَها آدمُ في صَدرِ الآية، ولم يَكُنْ عَجزُها لِنَقصٍ في طُهرِها أو في مَقامِها. ثُمَّ خُتِمَ السُّؤالُ بِـإِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، وجِذرُ (ص-د-ق) يَدُلُّ على تَطابُقِ الباطِنِ مَعَ الظّاهِر، وهذا يُحيلُ إلى ما ادَّعَته المَلائكةُ في الآيةِ السّابِقة: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾. والامتِحانُ يَكشِفُ ما لم يَكُنْ في حُسبانِها، وهو أنَّ التَّسبيحَ والتَّقديسَ شَيء، والقُدرةَ على التَّعيينِ بِالسِّمَةِ شَيءٌ آخَر، والخِلافةُ تَستَدعي الثّاني، والكَلِمةُ سابِقةٌ على المُصطَلَح، والقُدرةُ سابِقةٌ على الادِّعاء.


حَصيلة

تَدورُ الآيةُ على فِعلٍ واحِدٍ هو التَّعليم، والمُعَلِّمُ فيه اللهُ، والمُتَعَلِّمُ آدمُ، والمَوضوعُ «الأسماءُ كُلُّها». وأصلُ «عَلَّمَ» (ع-ل-م) إحكامُ علامةٍ يَتَمَيَّزُ بها الشَّيءُ من غَيرِه: العَلامةُ ما يَفصِل، والعِلمُ إحكامُ هذا الفَصل، والعالَمُ كَيانٌ يَحمِلُ علامةً تَدُلُّ على صانِعِه. ووَزنُ التَّفعيلِ يُضيفُ شِحنةَ المُلازَمةِ والقَصدِ والتَّكرارِ في الإظهار، فهو إظهارٌ مُلازِمٌ لِلسِّمَةِ حتّى تَستَقِرَّ في رُؤيةِ المُتَعَلِّم، لا إبراقٌ عابِر. والأسماءُ من جِذرِ (س-م-و)، وهو جِذرُ السَّماءِ والسُّمُوِّ والسِّمَة: الاسمُ ما يَرتَفِعُ بِالشَّيءِ فَوقَ إبهامِه فيُمَيَّز، والسِّمَةُ هي العَلامةُ التي تَخُصُّه دونَ غَيرِه. والذي عُلِّمَه آدمُ عَلاماتٌ أظهَرَها اللهُ لَه فأصبَحَ يَرى السِّمَةَ المُمَيِّزةَ في كُلِّ شَيءٍ ثُمَّ يَنطِقُ بِها على وَجهٍ يُمَيِّزُ هذا عن ذاك، وما كانَ قائِمةَ ألفاظٍ يَحفَظُها، ولا قُدرةً كامِنةً في فِطرَتِه فاستُخرِجَت. وكَلِمةُ «كُلَّها» تَختِمُ التَّعليمَ على شُمولِه: لا فِئةَ خارِجَ هذه القُدرة. ثُمَّ جاءَ الامتِحان: ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾، وضَميرُ «هم» يُعامِلُ المُسَمَّياتِ مُعامَلةَ ذَواتٍ لَها هُوِيّة، والإشارةُ بِـ«هَؤلاء» تُحضِرُها أمامَ المَسؤولين، فالامتِحانُ مَشهَدِيٌّ لا استِرجاعِيّ. والسُّؤالُ أَنبِئُونِي﴾ من جِذرِ (ن-ب-أ) يَطلُبُ خَبَراً ذا شَأن، لا تَكراراً لِلَفظ. وعَجَزَتِ المَلائكةُ لأنَّ القُدرةَ التي طُلِبَت مِنها لم تُجَهَّزْ بِها، ولم يَكُنْ ذلك لِنَقصٍ فيها. وكانَت في الآيةِ السّابِقةِ قد ادَّعَت أولَوِيَّتَها بِقَولِها وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾، فجاءَ الامتِحانُ يَكشِفُ ما لم يَكُنْ في حُسبانِها، وهو أنَّ التَّسبيحَ والتَّقديسَ شَيء، والقُدرةَ على إدراكِ السِّمَةِ وتَعيينِ المُسَمّى شَيءٌ آخَر. وقد قالَ لَها قَبلَ ذلك إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، وها هو يُري ما كانَ مَكتوماً عَنها. والكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والقُدرةُ تَسبِقُ الادِّعاء.