البقرة · الآية 33

﴿قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قَالَ يَا آدَمُ أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ

«أَنبِئْهُم» من (ن ب أ): البرهانُ عَمَلٌ لا وصف

ومادّة (ن ب أ) الإخبارُ عن أمرٍ ذي شأنٍ يبرز من باطنٍ بتأكيد. فقولُه لآدم أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ﴾ أمرٌ بممارسة القدرة التي أُودعت فيه، وليس تكليفاً بتلاوة قائمة. والبرهانُ طُلب منه عملاً لا وصفاً، أي أن يُعيِّن كلَّ شيءٍ بسِمَته. ولفظُ «الإنباء» أوسعُ من «القول»، فالذي نقله آدمُ معارفُ تُبرَز، وما كان مفرداتٍ تُرتَّل. وفي تكرار الصياغة أَنبِئْهُم بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنبَأَهُم بِأَسْمَائِهِمْ﴾ إشارةٌ إلى إجمالٍ سبق تفصيلاً، فقد أُمر بالإنباء إجمالاً، ثمّ وقع الإنباءُ فعلاً مفصَّلاً.

«غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ»: المحجوبُ لا يُنالُ إلّا بتعليم

والسماواتُ والأرضُ في القرآن جناحان كونيّان: السماءُ هي الجذرُ المحفوظ الذي لا تطاله اليدُ البشريّة، والأرضُ هي المساحةُ المسلَّمة للإنسان يتصرّف فيها. فقولُه إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ يجمع الأسرارَ المحفوظة في الأفق الأعلى وما تحتفظ به الأرضُ في عمقها. وعجزُ الملائكة عن الإنباء كان لأنّ القدرة المطلوبة من جنسٍ لم تُجهَّز به، ولم يكن لنقصٍ فيها، وإنباءُ آدم كان ممّا عُلِّم، لا من ذاته. وهكذا يتأكّد أنّ معرفة الأشياء في جذرها وحقيقتها لا تأتي إلا بتعليمٍ إلهيٍّ مباشر، وأنّ استخلاف البشر كان بزادٍ معرفيٍّ حُمِّله دون سائر الخلق، ولم يكن عشوائيّاً.

«مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ»: الإنسانُ ذو طبقتَين والرَّبُّ يرى الاثنتَين

و«تُبدون» من (ب د و)، ومعناه ما يخرج إلى السطح، و«تكتمون» من (ك ت م)، ومعناه ما يُحبس في الباطن ويُلصَق عليه، وهو الجذرُ نفسُه الذي أعطى «الخَتم». والفرقُ بين «كَتَبَ» و«كَتَمَ» في الحرف الثالث وحده، فالباءُ تُخرج الكتاب، والميمُ تُلصق الكتمان. والكتمانُ في منطق القرآن ضدُّ منطق «الكتاب»، الذي هو جمعٌ لنظامٍ يُقصَد به إحداثُ نظام، زيادةً على أنّه إخفاءٌ سلوكيّ، فمن كتم عطّل انسيابَ النظام. وأوّلُ كاتمٍ في هذا المشهد إبليسُ، الذي حبس في نفسه كبرياءه فلم يُبدِه، وسيظهر مضمونُ كتمانه في الآية التالية. فقولُه «أعلمُ ما تُبدون وما كنتم تكتمون» تنبيهٌ على أنّ الخلافة تُراقَب في الإبداء والإخفاء معاً، لأنّ المكلَّف هو الكائنُ الذي تستتر بداخله طبقةٌ غيرُ طبقته الظاهرة، لا الكائنُ البسيط الذي لا باطن له.

الأسماءُ ومُلكُ الإنسان: ليس له مِن الأشياءِ إلّا أسماؤها

ليس للإنسان من الأشياء إلا أسماؤها، وكلُّ تملّكاته الكونيّة عقود: عقدُ الزواج اسم، وعقدُ التملّك اسم، والمزرعةُ يملكها صاحبها بالاسم. فالمُلكُ والتصرّفُ والخلافةُ مردُّها كلُّها إلى الأسماء، ومن هنا قولُه بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ﴾: الإنسانُ ينتقل من حالٍ إلى حالٍ بالاسم. ثمّ إنّ الأسماء ليست كلُّها من نوعٍ واحد، قال تعالى إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ﴾، ففيها ما أنزل الله به سلطاناً فهو الحقّ، وفيها ما اخترعه الناسُ وجعلوا له حقّانيّةً فهو باطلٌ بلا سلطان. فتعليمُ آدمَ الأسماءَ في جذره تعليمٌ للأسماء التي لها سلطان، والتمييزُ بينها وبين أسماءٍ اصطلح عليها الناسُ أوّلُ ما يُختبر به الخليفة. ومن هنا التوازي بين عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ﴾ وأوّلِ ما نزل من الوحي اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾: الاسمُ مفتاحُ العوالم، ولا اتّصال بين الخلق والخالق إلّا به. والكلمةُ في ذلك تسبق المصطلح، والدورُ يسبق الهويّة، وآدمُ ورث الخلافة بقدرته على أن يُعيِّن فيُنبئ فيُميِّز، لا بخلقه.


حَصيلة

في هذه الآيةِ يَقَعُ البُرهانُ، ويَمتَدُّ الخِطابُ الإلهيُّ لِيَشمَلَ ما وَراءَه. أُمِرَ آدمُ فأنبَأَ، والإنباءُ من جِذرِ ن-ب-أ، ومَعناه أنَّه أخرَجَ من باطِنِه بِثِقَلٍ ما يَخُصُّ كُلَّ شَيءٍ من سِمَة، وهو ما عَجَزَت عَنه المَلائكةُ مَعَ طَهارَتِها، لأنَّ ما طُلِبَ قُدرةٌ من جِنسٍ مُختَلِف. ولم يَنتَهِ المَشهَدُ عِندَ تِلكَ القُدرة، فقد أعقَبَه بَيانٌ إلهيٌّ يَجمَعُ جِهَتَينِ في صِياغةٍ واحِدة: أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ثُمَّ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ﴾: الغَيبُ الكَونِيُّ والغَيبُ النَّفسِيُّ في إطارٍ تَوازُنِيٍّ واحِد. وجِذرُ ب-د-و ظُهورٌ إلى السَّطح، وجِذرُ ك-ت-م حَبسٌ دَقيقٌ يَلتَصِقُ كالخَتم، والإنسانُ ذو طَبَقَتَينِ يَعمَلانِ في الوَقتِ ذاتِه، وكِلتاهُما مَرئِيَّتانِ لِمَن أودَعَه الجِهازَ المُمكِنَ لَهُما. وما آيةُ الكِتمانِ هذه إلّا مُقَدِّمةٌ لِمَشهَدِ إبليسَ الآتي: كانَ في الجَمعِ مَن يَكتُمُ في نَفسِه شَيئاً لم يَنطِقْ بِه بَعدُ، وعِلمُ الرَّبِّ شَمِلَ ما أُبدِيَ وما أُضمِر. والكَلِمةُ قَبلَ المُصطَلَح: «الكِتمانُ» في القُرآنِ خَتمٌ مَقصودٌ على ما عُرِف، وليسَ سُكوتاً، وهذا الخَتمُ تَحتَ نَظَرٍ لا يُغلِقُه خَتمٌ آخَر.