البقرة · الآية 6

﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ

«كَفَرُوا»: الكفرُ (ك ف ر) تغطيةٌ بعد معرفة

«الكفر» في جذره (ك ف ر) إمساكٌ يَفصِل ثمّ يمتدّ، وفي أصل اللسان تغطيةٌ وطمس. ومنه «كافرُ الزراعة»: الفلّاحُ الذي يُغطّي البذرَ بالتراب. ولا يُغَطَّى إلّا ما ظَهَر، ولا يُطمَس إلّا ما عُرف: فلا كفرَ حقيقيّاً إلّا بعد وصول النور إلى القلب، ثمّ اختيارِ إسدال السِّتار عليه.

ولهذا جاء قوله سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ﴾: فالمسألةُ ليست غيابَ الحجّة بل الإصرارَ على التغطية بعد ظهور الدليل. والآيةُ في جوهرها رسالةٌ إلى النبيّ ﷺ تُطمئن قلبَه: ما قصّر في الإيصال، إنّما القومُ اختاروا التغطيةَ طوعاً فاستحقّوا ما استحقّوا.

«لَا يُؤْمِنُونَ»: إتمامُ اختيارٍ، لا إكراهٌ عليه

نفيُ الإيمان عنهم لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ليس ظُلماً يَنزل من فوق، بل نتيجةٌ طبيعيّةٌ لما بدأوه: فمن اختار التغطيةَ بإرادته تُرك له الطريقُ الذي شَقَّه لنفسِه حتّى يُتمَّه.

والإيمانُ في الأصل فعلٌ يَبذُله القلبُ المفتوح: لا تُعطى الهِبةُ إلّا لمن فَتَحَ يده، ومن قَبَضها لم يُبقِ فيها مكاناً تَستقرّ فيه. فالحجّةُ وحدها لا تُنتج إيماناً ما لم يُصاحبها استعدادُ قلبٍ يَقبل.

الوعدُ والوعيدُ: قاعدتان في نظام الجزاء

الجزاءُ في نظام الكتاب أثرٌ طبيعيٌّ لا اعتباطٌ فوقيّ: يَعمل في الدنيا مجتمعيّاً، ويكتمل فرديّاً يوم الحساب. والوعدُ ملزِمٌ بالكرم لا يُنقَض، والوعيدُ يبقى قابلاً للرجوع عنه بالتوبة ما دامت الساعةُ لم تَنقضِ والأعمالُ لم تَختم.

وما يَتلو هذه الآيةَ من خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ ليس حكماً نهائيّاً يُغلق الطريق، بل وصفٌ لِما انتهى إليه فعلُهم، إنذارٌ قد يَقَع في النفوس فيَبعث عودةً. والكفرُ هنا اسمُ فعلٍ يُمارَس، لا اسمُ هويّةٍ لا تتبدّل: من رَفع الغطاءَ صار إلى الإيمان، ومن أبقاه استمرَّ على التغطية. فالكلمةُ تسبق المصطلح، والدورُ يسبق الهويّة.


حَصيلة

ك-ف-ر في أصلِ اللُّغة تَغطيةٌ: الفلّاحُ يَكفُرُ البَذرةَ بالتُّراب، واللَّيلُ يَكفُرُ النَّهارَ حين يُجَلِّلُه بالظَّلام. فالكافِرُ في هذه الآيةِ ليسَ اسمَ هُويَّةٍ دينيّةٍ جاهِزة، بل وَصفُ فِعلٍ يُمارَسُ: مَن غَطَّى ما أُظهِرَ له، وأسدَلَ السِّتارَ على ما عَرَفَه، واختارَ بِإرادتِه أن يُبقيَ بابَ القلبِ مُوصَداً. وهذا الاختيارُ يُفسِّرُ لِمَ كانَ الإنذارُ وعَدَمُه سواءً عندَهم: فالإنذارُ في جذرِه (ن-ذ-ر) نَفاذٌ حادٌّ يَخترقُ الحُجُب، لكنَّه لا يَخترقُ باباً قَضى صاحِبُه أن يُغلِقَه. والإيمانُ في جذرِه (أ-م-ن) فِعلُ صَنعِ الأمانِ الداخليّ؛ لا تُصنَعُ أمانةٌ إلاّ بِقلبٍ مَكشوف، وما غَطَّى الإنسانُ قلبَه حِرصاً على تَغطيةٍ انعَدَمَ فيه مكانُ صَنعِه. والجزاءُ في هذا الكتابِ أثَرٌ طبيعيٌّ من جِنسِ الفِعلِ لا عُقوبةٌ خارجيّة، والوعيدُ قابِلٌ للنَّقضِ بالتَّوبةِ ما دامت الأعمالُ لم تَختِم؛ أمّا مَن رَفَعَ الغِطاءَ وكَشَفَ ما تَحتَه، فقد عادَ إلى فِعلِ الأمان، لأنَّ الكُفرَ دورٌ يُمارَس لا هُويَّةٌ تُلصَق.