البقرة · الآية 75

﴿أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ

«أَفَتَطْمَعُونَ» جَذرُ (ط م ع) + «يُؤْمِنُوا لَكُمْ» (أ م ن): طَمَعٌ في أَمانٍ اجتِماعيٍّ لا عَقَديّ

وأصلُ (ط م ع) تَعَلُّقٌ بِمَطلوبٍ يَرجو صاحِبُه الظَّفَرَ بِه وإن تَأَخَّر. والاستِفهامُ هُنا لِلإنكار، والمَعنى: أيَبقى في نُفوسِكُم بَعدَ الذي رَأَيتُم تَعَلُّقٌ بِأن يَنضَمّوا إلَيكُم؟ و«يُؤمِنوا لَكُم» غَيرُ «يُؤمِنوا بِاللهِ»، فأهلُ الكِتابِ مُؤمِنونَ بِاللهِ في الأصل. واللّامُ هُنا لامُ التَّأمين، أي أن يُسَلِّموا لَكُم، ويُعطوكُمُ الأمانَ الاجتِماعيَّ ويُدخِلوكُم في دائِرَتِهِم. فالآيةُ تَقرَأُ العَلاقةَ بِمِسطَرةِ الدَّورِ الاجتِماعيِّ قَبلَ العَقيدة، وتُحَذِّرُ أهلَ الإيمانِ من تَعليقِ وُجودِهِم على قَبولِ فَريقٍ جاهَرَ بِتَحريفِ كَلامِ اللهِ نَفسِه.

«يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ» (ح ر ف) + (ع ق ل): إمالةٌ واعيةٌ بَعدَ الرَّبط

والجَذرُ (ح ر ف) يَدورُ على الحَرف، وهوَ الجَنبةُ والحافّةُ لا المَركَز. فالتَّحريفُ في أصلِه إمالةُ الشَّيءِ عن مَوضِعِه إلى جَنبةٍ أُخرى، والنَّصُّ يَبقى بِحُروفِه وقد يُمالُ بِسياقِه. وهذا أمضى من تَبديلِ الحَرف، لأنَّ الحَرفَ يُكشَف، وإمالةُ الدَّلالةِ تَختَفي في اللَّمسة. والجَذرُ (ع ق ل) دالٌّ على الرَّبط، وهو أن يَربُطَ المَرءُ المَعنى بِأصلِه كما يَربُطُ العِقالُ الدّابّة. ومِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ نَصٌّ قاطِعٌ في أنَّ الفِعلَ جَرى بَعدَ الرَّبطِ الكامِل، لا قَبلَه. فالتَّحريفُ المَوصوفُ هُنا إمالةٌ مُتَعَمَّدةٌ والعُقدةُ في اليَد، وليسَ خَطَأَ فاهِم.

«فَرِيقٌ مِنْهُمْ»: لا تَعميمَ في كِتابِ اللهِ

وعِبارةُ القُرآنِ في ذلك دَقيقة: فَرِيقٌ مِّنْهُمْ﴾، والمُحَرِّفونَ فَريقٌ مَعلومٌ بِما فَعَل، وليسوا كُلَّ أهلِ الكِتاب، وهُمُ الذينَ سَمِعوا الكَلامَ سَماعاً ورَبَطوه بِأصلِه ثُمَّ أمالوه. فالتَّحريفُ عِبءُ مَن سَمِعَ ورَبَط، لا مَن لَم يَسمَع. وهذا مِفتاحُ مَنهَجٍ قُرآنيٍّ عامّ، وهو أنَّ المَوقِفَ يُقاسُ بِفِعلِه وبِمَوقِعِ فاعِلِه، لا بِاللّافِتةِ التي يَحمِلُها.

مِرآةُ البَقَرةِ: لا تَكونوا مِثلَ بَني إسرائيل

وهذه الآياتُ نَزَلَت مِرآةً، ولم تَنزِلْ تاريخاً مَرويّاً. والنَّمَطُ الذي تَرسُمُه قد يَتَكَرَّر: يَظُنُّ أصحابُ الدِّينِ أنَّ الظّاهِرَ يَكفي، فيَبقى الشَّكلُ ويُنزَعُ اللُّبّ، وتَبقى الشَّعائِرُ ويَختَفي العَدل، وتَبقى التِّلاوةُ وتَغيبُ الخَشية، وتَبقى اللّافِتاتُ ويَتَبَدَّلُ الدَّور. وتَحذيرُ البَقَرةِ مُوَجَّهٌ إلى أُمّةِ القُرآنِ أساساً، فمَن سَلَكَ نَمَطَ التَّحريفِ الواعي نالَه حُكمُه، ولَو رَفَعَ في وَجهِه لافِتةً مُخالِفة.

الجِذرُ يَعبُرُ الألسُن: «كَلام» و«claim»

و«كَلامُ اللهِ» ليسَ صَوتاً يَمُرُّ في الأُذُن، والجَذرُ ك-ل-م في العَرَبيّةِ يَدُلُّ على القَولِ الذي يَترُكُ أثَراً، أي الكَلامِ الذي يَجرَحُ كما يَجرَحُ السَّيف، ومِنه «الكَلم»، وهو الجُرح. والكَلِمةُ في أصلِها قَولٌ مَوضوعٌ في حِسابِ قائِلِه، يُلزِمُه ويُلزِمُ سامِعَه، وهي وَضعٌ يَنزِلُ على المَحَلِّ كما يَنزِلُ الخَتمُ على الشَّمع، ولَيسَت لَفظاً عابِراً.

وهذا الهَيكَلُ الصَّوتيُّ K-L-M يَعبُرُ الألسُن. ففي اللّاتينيّةِ clamare، وهو الفِعلُ الذي يَعني «أن يُنادي بصَوتٍ يَنفُذُ ويَلزَم»، ومِنه الاسمُ clamor، أي نِداءٌ مَسموع. ووَرِثَتِ الإنكليزيّةُ مِنه claim (المُطالَبةُ، القَولُ الذي يَستَوجِبُ شَيئاً)، وclamor، وexclaim، وacclaim، وproclaim. وفي الفَرَنسيّةِ clamer، clameur، réclame، proclamer. وهو هَيكَلٌ واحِد، كافٌ في المُقَدِّمة ولامٌ في الوَسَط وميمٌ في النِّهاية، يَحمِلُ في كُلِّ لِسانٍ المَعنى نَفسَه: قَولٌ يَنزِلُ على المَحَلّ، ونِداءٌ يَلزَمُ سامِعَه، وإعلانٌ يَتَّخِذُ مَوقِفاً.

وعلى هذا الإصغاءِ يَكونُ أصدَقُ ما يُقالُ في الإنكليزيّةِ "the kalām of God, His claim"، دونَ "the speech of God" أو "the word of God". والقارئُ الإنكليزيُّ الذي يَعرِفُ كَلِمةَ claim من طِفولَتِه، في عُقودِ التَّأمينِ ودَعاوى الحَقِّ وكُلِّ ما يُطالِبُ بِه إنسانٌ إنساناً، يَعرِفُ تَماماً ما تَقولُه الآية. وكَلامُ اللهِ مَوقِفٌ مَطروحٌ على المَحَلّ، لا يَستَطيعُ مَن سَمِعَه أن يَتَجاهَلَه بَراءة. والآيةُ تُخبِرُ أنَّ هؤلاءِ سَمِعوا الـclaim ورَبَطوها بِأصلِها ثُمَّ أمالوها وهُم يَعلَمون. والتَّحريفُ لا يَكونُ إلّا بَعدَ أن يَنزِلَ الكَلامُ كَدَعوى تَلتَزِمُ السّامِع، ومَن لم يَسمَعْ فلا تَحريفَ عِندَه، والذينَ سَمِعوا عَلِموا أنَّهُم وَقَفوا أمامَ مُطالِبٍ لا يَنصَرِف.

والكَلِمةُ تَعبُرُ ألسُنَ البَشَرِ ويَبقى مَعناها ثابِتاً في هَيكَلِها الصَّوتيّ، وكَلامُ اللهِ في كُلِّ لِسانٍ هو الـclaim التي لا تُرَدّ.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: «التَّحريفُ» فِعلٌ تَقومُ بِه فِئةٌ عَقَلَتِ النَّصَّ فأمالَته، و«الإيمانُ لَكُم» طَلَبُ أمانٍ اجتِماعيٍّ لا عَقَديّ.


حَصيلة

الاستِفهامُ الإنكاريُّ «أَفَتَطمَعون» من ط-م-ع يَكشِفُ تَعَلُّقاً بِمَطلوبٍ لا يَكادُ يَأتي. ومَعنى «يُؤمِنوا لَكُم» أن يُعطوكُمُ الأمانَ الاجتِماعيَّ ويُدخِلوكُم في دائِرَتِهِم، لا «يُؤمِنوا بِالله»، لأنَّ أهلَ الكِتابِ مُؤمِنونَ بِه أصلاً. والمَشهَدُ الذي قَدَّمَته الآيةُ يَكفي لِقَطعِ الطَّمَع: فَريقٌ (لا الكُلّ، والقُرآنُ يَحفَظُ هذا التَّمييز) سَمِعوا كَلامَ اللهِ، ثُمَّ ع-ق-ل (رَبَطوه بِأصلِه كما يُعقَلُ البَعير)، ثُمَّ ح-ر-ف (أمالوه إلى حافّةٍ أُخرى). والكَلامُ في الجَذرِ ك-ل-م قَولٌ يَنزِلُ على المَحَلِّ ويُلزِمُ سامِعَه، وليسَ صَوتاً يَمُرّ، ومن هذا الجَذرِ يَظهَرُ الهَيكَلُ الصَّوتيُّ K-L-M في اللّاتينيّةِ clamare والإنكليزيّةِ claim والفَرَنسيّةِ clamer: إعلانٌ يَستَوجِبُ مَوقِفاً. فالتَّحريفُ لا يَكونُ إلّا بَعدَ أن يَنزِلَ الكَلامُ كَدَعوى على سامِعِه، وما كانَ قَبلَ ذلك فهو جَهلٌ لا تَحريف. وهؤلاءِ سَمِعوا وعَقَلوا ثُمَّ أمالوا والعُقدةُ في أيديهِم. والكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: التَّحريفُ ح-ر-ف دَورُ مَن عَرَفَ وأمال، وليسَ دَورَ مَن لَم يَعرِف، ولِذلك يَسقُطُ الطَّمَعُ في أمانِ مَن قَرَّرَ الإمالة.