آل عمران · الآية 118

﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ ۚ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ ۖ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ

«لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ»: النَّهيُ يَحمي الدَّاخِلَ المَكشوف

يَستدعي النِّداءُ الذين آمنوا بفِعلِ ثِقتِهم، ثمّ يَنهاهم عن الاتِّخاذ. والأخذُ من أ-خ-ذ قَطعٌ يَخترِقُ ثمّ يَنفُذُ في اتِّصالٍ حادّ، وصيغةُ الافتِعالِ تُدخِلُ الفاعِلَ عامِداً في جَعلِ شيءٍ لنفسِه. والبِطانةُ من ب-ط-ن، وهو اتصالٌ يَنطَبِقُ عَريضاً ثمّ يَحتَوي في الباطن، فهي ما يَلي الدَّاخلَ ويَطَّلِعُ عليه. و«من دونكم» تَحُدُّ المَنهيَّ عنهم بمَوقعٍ خارجَ جَمعِ المخاطَبين، ثمّ تَشرحُهم الصِّفاتُ التاليةُ، لا اسمٌ موروث.

«لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ»: عَمَلٌ ورَغبةٌ يُعرِّفانِ المَحذور

والجُملةُ وصفٌ للبطانةِ المنهيِّ عنها، ومعناها أنّهم لا يَقصُرونَ في إيصالِ الخَبالِ إليكم. والخَبالُ من خ-ب-ل تَخلخُلٌ يَحتَبِسُ ويَضغطُ ثمّ يَمتَدُّ في تَعَلُّق، فيُفسِدُ تَماسُكَ الشيء. ثمّ يُثبِتُ الماضي «ودّوا» رغبتَهم في «ما عنتم»، أي في الذي يَبلُغُ المخاطَبينَ من مَشقّةٍ وضَيق. والنصُّ يَربِطُ الحُكمَ بمَن اجتَمَعَ فيه السَّعيُ إلى الخَبالِ ومَحبّةُ العَنَت، ولا يَنهى عن كلِّ مختلِفٍ أو غريب.

«قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ»: الظُّهورُ يَخرُجُ من مَنفذِ القول

و«قد» تُؤكِّدُ وقوعَ البُدوِّ في الماضي: بَدَت البغضاء. والبُغضُ من ب-غ-ض احتِباسٌ يَغورُ في الباطنِ ثمّ يَجتَمِعُ بثِقَل، والبغضاءُ تَحمِلُ هذا النُّفورَ مُمتَدّاً. و«من أفواههم» تُعيِّنُ مَنفذَ الظُّهور، فشيءٌ من البغضاءِ خَرَجَ من الأفواه، ولا يُبنى الحُكمُ على ظنٍّ بلا علامة. والجَمعُ يَبقى عائداً إلى أصحابِ الصِّفاتِ المذكورة، غيرَ شاملٍ لكلِّ مَن هو «من دونكم» على الإطلاق.

«وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ»: المُقابَلةُ تَزِنُ الظاهرَ بالمَستور

وتَعطفُ الواوُ اسمَ الموصولِ «ما»، ويأتي الفعلُ المضارعُ «تخفي» فاعلُه صدورُهم. والخفاءُ من خ-ف-ي اختراقٌ يَفتحُ شقاً ثمّ يمتدُّ في لينٍ داخلَ المستور، والصدورُ هي الحيزُ الذي يُسندُ إليه الإخفاء. و«أكبر» يَزنُ المخفيَّ بما بدا من الأفواهِ ويَجعلُه أوسعَ قدراً، فالمقارنةُ نفسها تُعمّقُ الحذرَ من البطانةِ الموصوفة.

«قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ»: البيانُ يَطلُبُ عَقلاً يَربِط

و«قد» تُثبتُ أنّ البيانَ وقع، والتشديدُ في «بيّنّا» شحنةٌ مستدامةٌ متكررةٌ في إظهارِ الوجوه، واللامُ تَجعلُه للمخاطبين. ثمّ تَفتحُ «إن» شرطَ العقل، والعقلُ من ع-ق-ل ظهورٌ من العمقِ يَنعقدُ ويلتئمُ ثمّ يتعلّقُ ويمتد، فيَربطُ العلاماتِ بعضَها ببعض. فالصفاتُ الظاهرةُ والمستورُ الذي قِيست سعتُه يَصيرانِ مادةً لعقلِ البيان.


حَصيلة

يَنصرفُ النَّهيُ إلى بِطانةٍ مُحدَّدةٍ بعلاماتِها: سَعيٌ لا يَفتُرُ إلى الخَبال، ورَغبةٌ في عَنَتِ المخاطَبين، وبغضاءُ بَدَت من الأفواه، ومَخفيٌّ في الصُّدورِ أكبرُ منها، ولذلك لا يُحوَّلُ النصُّ إلى عَداوةٍ شاملةٍ لكلِّ خارجٍ عن الجَمع. والبِطانةُ مَوقعُ دُخولٍ إلى الباطن، والحَذَرُ تابعٌ للأفعالِ الملفوظة. وبعدَ البيانِ يَجيءُ شَرطُ العَقل، فيَصيرُ التَّمييزُ رَبطاً للآياتِ، لا اندِفاعاً بلا بَيِّنة.