آل عمران · الآية 129

﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ ۚ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ

«وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ»: المِلكُ مُقَدَّمٌ على المَملوك

تَعطِفُ الواوُ الحُكمَ على نَفيِ الأمرِ عن المخاطَب، وقُدِّمَ «لله» فظَهَرَ صاحبُ المِلكِ قبلَ ما يَدخُلُ فيه، و«ما» تَفتَحُ العمومَ لكلِّ ما في السَّماوات. والسَّماءُ من س-م-و، وهو حَصرٌ يَجري في امتِدادٍ مُتَّصلٍ ثمّ يَجتَمِعُ في ضَمٍّ ويَرتَبِطُ في عُلُوٍّ مَمدود، والجَمعُ يُكثِّرُ الحَيِّزَ العُلويَّ من غير أن تُفصِّلَ الآيةُ بِنْيَتَه أو عَدَدَه. فما نُفيَ عن المخاطَبِ من الأمرِ داخِلٌ تحتَ مِلكِ الله الشامل.

«وَمَا فِي الْأَرْضِ»: التَّكرارُ يُكمِلُ الشُّمولَ في الحَيِّزِ الأدنى

وأُعيدَت «ما في» كاملةً بعدَ الواو، فصارَتِ الأرضُ جُملةَ شُمولٍ مُوازيةً للسَّماوات، لا تابعاً عابراً. والأرضُ من أ-ر-ض قَطعٌ يَجري مُستَرسِلاً ثمّ يَجتَمِعُ في ضَمٍّ ثقيل، فتَرسُمُ حَيِّزاً مَمسوكاً ذا وَقع، والتَّعريفُ يَجعلُ الأرضَ المعلومةَ في الخِطابِ مَجالاً لكلِّ ما فيها. ولا يَتركُ النَّظمُ بينَ العُلُوِّ والأرضِ شيئاً خارجَ الانتِساب، ولذلك يَستقيمُ أن يكونَ المَسارانِ الآتيانِ لله وحدَه.

«يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ»: المَغفِرةُ تَتَّصِلُ بالمَشيئة

ويأتي المضارعُ «يغفر» بعدَ إثباتِ المِلك، فيَحمِلُ الفِعلَ جارياً من صاحبِه. والمَغفِرةُ من غ-ف-ر غَورٌ يَفتَحُ شَقّاً ثمّ يَجري مُستَرسِلاً في سَترٍ يَحمِي المَغفورَ له، واللّامُ تَصِلُها بـ«من» العامّة، ثمّ تُقيِّدُها الصِّلةُ «يشاء». والمشيئةُ من ش-ي-ء انتِشارٌ يَسري في المُمكِناتِ ثمّ يَنطَبِقُ على واحِدٍ مِنها فيَقطَعُه من سائِرِها، فتُخرِجُ الإمكانَ إلى مَقصِدٍ يَختاره الله. فالعمومُ قائمٌ في «مَن»، والتَّعيينُ مَوضوعٌ في «يشاء»، وهذا التَّرتيبُ هو الذي يَحفَظُ سَعةَ البابِ ويَجعَلُ مِفتاحَه في يَدِ صاحِبِ المِلكِ المذكورِ قبلَه.

«وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ»: المِلكُ يَجمَعُ المَغفِرةَ والعَذاب

وتَعطِفُ الواوُ التعذيبَ على المَغفِرة، ويَعودُ «من يشاء» بالصِّيغةِ نفسها، فتَبقى المَشيئةُ قَيدَ المَسارَين. والعذابُ من ع-ذ-ب ظُهورٌ يَنفُذُ في اتِّصالٍ حادٍّ ثمّ يَحتَبِسُ تحتَ ضَغط، وفي صيغةِ التَّفعيلِ شُحنةٌ مُستدامةٌ متكرِّرةٌ في إيقاعِ الأثر. و«مَن» تَربِطُ كلّاً من الطريقَينِ بمَن تَتَعَلَّقُ به مَشيئةُ الله، ولا تَجعَلُ أحدَهما عامّاً على الجميع. والمِلكُ الشاملُ يَضَعُ التَّمييزَ في الفِعلِ عندَ مالكِه، ولا يُلغيه.

«وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ»: الخِتامُ يُبرِزُ سَعةَ السَّترِ والرَّحمة

وفي الخِتامِ جُملةٌ اسميّةٌ معطوفةٌ بالواو، أُعيدَ فيها اسمُ الله وأُخبِرَ عنه بخَبَرَين. و«غفور» صيغةُ مُبالغةٍ تَدُلُّ على سَعةِ المَغفِرةِ وثَباتِها، فلا يُختزَلُ الفِعلُ في واقعةٍ عابرة. والرَّحمةُ من ر-ح-م جَريانٌ مُستَرسِلٌ يَدخُلُ احتِواءً باطناً ثمّ يَجتَمِعُ في ضَمٍّ وتَلاصُق، و«رحيم» صِفةٌ ثابتةٌ تَحمِلُ استمرارَ هذا الاحتِواء. والخِتامُ بعدَ ذِكرِ التعذيبِ لا يَمحوه، غيرَ أنَّه يُظهِرُ أنَّ الاسمَ المالِكَ المشيءَ غفورٌ رحيم.


حَصيلة

تَرُدُّ الآيةُ الأمرَ إلى مِلكِ الله الشاملِ لما في السَّماواتِ وما في الأرض، ثمّ تَفتحُ داخِلَ هذا المِلكِ مَسارَي المَغفِرةِ والعذاب، وتَصِلُ كُلّاً بالمَشيئة. فالمَشيئةُ قَيدُ المَسارَينِ معاً، وكِلاهما قائمٌ في الجُملةِ الواحدةِ يَقِفُ إلى جانبِ الآخَرِ ويَنتَهي إليها. ثمّ تُعيدُ الجُملةُ الاسميّةُ اسمَ الله بصِفتَي غفورٍ رحيم، فتَجمعُ سَعةَ السَّترِ واحتِواءَ الرَّحمةِ عندَ المالكِ الذي يَشاءُ ويَفعل.