النساء · الآية 132

﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا

«وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ»: الكَلِماتُ نَفسُها في مَوضِعٍ ثالِث

تَعودُ في هذه الآيةِ الجُملةُ التي افتَتَحَتِ الآيةَ الحادِيةَ والثَّلاثينَ بَعدَ المِئةِ وكانَت جَوابَ شَرطِها: «ولِلّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرض»، فهي الثّالِثةُ في آيَتَينِ مُتَتابِعَتَين. والحُروفُ واحِدة، والذي تَغَيَّرَ مَوضِعُها: كانَت هُناكَ إطاراً لِوَصيّةٍ ثُمَّ جَواباً عن سَترٍ مَفروض، وهي هُنا جُملةٌ مُستَأنَفةٌ بِالواو، قائمةٌ بِنَفسِها، يَتبَعُها خِتامٌ واحِد: «وكَفى بِاللهِ وَكيلاً». والسَّماواتُ من س-م-و، ما عَلا فأظَلَّ ما تَحتَه، وقد جاءَت مَجموعةً والأرضُ مُفرَدة، وأُعيدَت «ما في» مَعَ كُلٍّ مِنهُما كما أُعيدَت في المَرَّتَينِ السّابِقَتَين.

وتَقِفُ هذه المَرّةُ بَينَ ذِكرَينِ لِلمالِكِ نَفسِه: «وكانَ اللهُ غَنيّاً حَميداً» في خِتامِ الآيةِ الحادِيةِ والثَّلاثينَ بَعدَ المِئة، و«إن يَشَأْ يُذهِبْكُم أيُّها النّاسُ ويَأتِ بِآخَرين» في الآيةِ الثّالِثةِ والثَّلاثين. فالمالِكُ هُناكَ غَنيٌّ لا يَحتاجُ إلى أحَد، وهو بَعدَها قادِرٌ على أن يُذهِبَ النّاسَ المُخاطَبينَ ويَأتِيَ بِآخَرين، وبَينَ الذِّكرَينِ جُملةٌ تُذَكِّرُ بِالمِلكِ ثُمَّ تَتَوَجَّهُ إلى مَن يُسلِمُ أمرَه إلى هذا المالِك.

«وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا»: كِفايةٌ تَقومُ على المِلك

والفِعلُ «كَفى» من ك-ف-ي، والجِذرُ إمساكٌ يَنطَبِقُ على الشَّقِّ فيَسُدُّه، فالكافي يَسُدُّ ما يَنفَتِحُ من حاجةِ مَن يَكفيه. واسمُ اللهِ في «كَفى بِالله» هو الفاعِل، دَخَلَت عَلَيه الباءُ فزادَتِ الإسنادَ تَوكيداً، و«وَكيلاً» مَنصوبٌ على التَّمييزِ أو على الحال، يُبَيِّنُ الجِهةَ التي تَقَعُ فيها الكِفاية. والوَكيلُ من و-ك-ل، مَن يُوصَلُ إلَيه الأمرُ فيُمسِكُه ويَحوزُه ويَقومُ عَلَيه، فمَن وَكَلَ أمرَه إلى اللهِ أسلَمَه إلى مالِكِ ما في السَّماواتِ وما في الأرض. وبِهذا تَجتَمِعُ الجُملَتانِ في آيةٍ واحِدة: المِلكُ الذي ذُكِرَ ثَلاثاً هو ما تَقومُ عَلَيه الكِفايةُ في الخِتام.

وتَختَلِفُ هذه الخاتِمةُ عَمّا حَولَها: فالآياتُ التي حَولَها، الثَّلاثونَ بَعدَ المِئةِ والحادِيةُ والثَّلاثونَ والثّالِثةُ والثَّلاثونَ والرّابِعةُ والثَّلاثون، تُختَمُ كُلُّها بِـ«وكانَ الله» ثُمَّ صِفةٍ لَه، وهذه وَحدَها بَينَها تُختَمُ بِـ«وكَفى بِالله». فـ«كانَ» هُناكَ تُثبِتُ صِفاتٍ قائمة، و«كَفى» هُنا تَصِفُ ما يَجِدُه مَن يَكِلُ أمرَه إلَيه. وقد خُتِمَتِ الآيةُ الحادِيةُ والثَّمانونَ بِهذه الجُملةِ نَفسِها بَعدَ أمرٍ بِالتَّوَكُّل: وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ۚ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾، وتَعودُ السّورةُ في الآيةِ الحادِيةِ والسَّبعينَ بَعدَ المِئةِ إلى الجَمعِ الذي في هذه الآيةِ بَينَ المِلكِ والوَكالة: لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾.


حَصيلة

تَعودُ في الآيةِ الجُملةُ التي قيلَت مَرَّتَينِ في الآيةِ الحادِيةِ والثَّلاثينَ بَعدَ المِئة، فتَكونُ الثّالِثةَ في آيَتَين: ما في السَّماواتِ وما في الأرضِ لِلّهِ وَحدَه، ويَتبَعُها هُنا خِتامٌ يَتَّجِهُ إلى المُخاطَبين: «وكَفى بِاللهِ وَكيلاً». والكِفايةُ من ك-ف-ي سَدٌّ يُغلِقُ ما يَنفَتِحُ من الحاجة، والوَكيلُ من و-ك-ل مَن يُوصَلُ إلَيه الأمرُ فيُمسِكُه ويَقومُ عَلَيه، فمالِكُ ما في السَّماواتِ والأرضِ يَكفي مَن وَكَلَ إلَيه أمرَه. والآيةُ تَقِفُ بَينَ غِنى المالِكِ في الآيةِ الحادِيةِ والثَّلاثينَ وقُدرَتِه على الإذهابِ والإتيانِ في الثّالِثةِ والثَّلاثين، وخِتامُها وَحدَه بَينَ ما حَولَها يَبدَأُ بِـ«وكَفى».