النساء · الآية 133

﴿إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرًا

«إِن يَشَأْ»: أمرٌ مُعَلَّقٌ بِمَشيئةٍ واحِدة

تَفتَتِحُ الآيةُ بِـ«إنْ»، وهي أداةٌ تُعَلِّقُ الجَوابَ على ما قد يَكونُ وقد لا يَكون، والمُعَلَّقُ عَلَيه هُنا مَشيئةُ اللهِ وَحدَها: «إن يَشَأْ». والمَشيئةُ من ش-ي-أ، انتِشارٌ يَسري في المُمكِناتِ ثُمَّ يَنطَبِقُ على واحِدٍ مِنها فيَقطَعُه من سائِرِها، ومَفعولُ «يَشَأْ» مَحذوفٌ يَدُلُّ عَلَيه الجَواب، فالمَعنى: إن يَشَأْ إذهابَكُم يُذهِبْكُم. وتَأتي الآيةُ بَعدَ ثَلاثِ جُمَلٍ في آيَتَينِ تُثبِتُ أنَّ لِلّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرض، وبَعدَ أن خُتِمَتِ الآيةُ الحادِيةُ والثَّلاثونَ بَعدَ المِئةِ بِـ«غَنيّاً حَميداً»، فالمالِكُ الذي لا يَحتاجُ إلى أحَدٍ يُذكَرُ هُنا قادِراً على أن يُذهِبَ مَن في مُلكِه ويَأتِيَ بِغَيرِهِم.

وهذه العِبارةُ «إن يَشَأْ يُذهِبْكُم» تَرِدُ في الكِتابِ أربَعَ مَرّات: هُنا، وفي سورةِ الأنعام، وفي سورةِ إبراهيم، وفي سورةِ فاطِر. وفي مَوضِعَينِ مِنها يُذكَرُ الغِنى في الآيةِ نَفسِها أو في التي قَبلَها: ففي سورةِ الأنعامِ يَسبِقُها في آيَتِها الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ﴾، وفي سورةِ فاطِرٍ تَسبِقُها آيةٌ تَقولُ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. وهُنا خُتِمَت بِالغِنى الآيةُ الحادِيةُ والثَّلاثونَ بَعدَ المِئة: «وكانَ اللهُ غَنيّاً حَميداً». فالإذهابُ في هذه المَواضِعِ الثَّلاثةِ يُذكَرُ بَعدَ الغِنى: مَن لا يَحتاجُ إلى المُخاطَبينَ لا يُنقِصُه ذَهابُهُم.

«يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ»: نِداءٌ يَقَعُ في وَسَطِ الجَواب

وجَوابُ الشَّرطِ فِعلانِ مَجزومان: «يُذهِبْكُم» و«يَأتِ». و«يُذهِبْ» من ذ-ه-ب على أفعَل، والجِذرُ مُضِيٌّ نافِذٌ في خَلاءٍ يَنتَهي إلى خُروجٍ عن المَوضِع، و«أذهَبَه» جَعَلَه يَمضي فيَخلو مِنه مَكانُه. وقد جاءَ الجِذرُ في هذه السّورةِ مُعَدّىً بِالباء: لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ﴾، وهُنا تُعَدّيهِ الهَمزة، والفاعِلُ في الحالَينِ مَن يوقِعُ الذَّهابَ بِغَيرِه.

ثُمَّ يَقَعُ النِّداءُ بَينَ الفِعلَين: «أيُّها النّاسُ»، بِلا «يا». وهذا النِّداءُ يَرِدُ في الكِتابِ إحدى وعِشرينَ مَرّة، عِشرونَ مِنها بِـ«يا»، وهذا المَوضِعُ وَحدَه جاءَ بِغَيرِها. والاسمُ الذي يُنادى بِه المُخاطَبونَ هُنا هو الاسمُ الذي افتَتَحَت بِه السّورةُ خِطابَها: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا﴾، فالنِّداءُ في وَسَطِ الجَوابِ يُسَمّي المُخاطَبينَ بِاسمِهِمُ العامِّ ساعةَ يُذكَرُ ذَهابُهُم، ويَضَعُهُم جَميعاً تَحتَ المَشيئةِ نَفسِها.

«وَيَأْتِ بِآخَرِينَ»: أُناسٌ يُعرَفونَ بِأنَّهُم غَيرُ الذّاهِبين

ويُعطَفُ على الإذهابِ فِعلُ الإتيان: «ويَأتِ بِآخَرين». و«يَأتِ» من أ-ت-ي، مَجيءٌ يَنطَلِقُ حتّى يَلقى غايَتَه، والباءُ تُعَدّيه فيَصيرُ «أتى بِه» جاءَ بِه. و«آخَرين» جَمعُ «آخَر»، من أ-خ-ر، ما يَتَخَلَّفُ فيَجري بَعدَ غَيرِه، و«الآخَرُ» الثّاني المُغايِرُ لِما قَبلَه، وجَمعُه بِالياءِ والنّونِ جَمعٌ يَكونُ لِلعُقَلاء، فالذينَ يُؤتى بِهِم أُناسٌ غَيرُ المُخاطَبين. وفي المَوضِعَينِ اللَّذَينِ في سورةِ إبراهيمَ وسورةِ فاطِرٍ جاءَ بَعدَ الإذهابِ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ﴾، أمّا هُنا فالآتونَ «آخَرون»، والكَلِمةُ تُعَرِّفُهُم بِشَيءٍ واحِد: أنَّهُم غَيرُ الذّاهِبين.

وفي سورةِ الأنعامِ تَصِفُ الكَلِمةُ نَفسُها القَومَ الذينَ أُنشِئَ المُخاطَبونَ هُناكَ من نَسلِهِم: كَمَا أَنشَأَكُم مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾، فالذينَ يُخاطَبونَ بِالإذهابِ في ذلك المَوضِعِ قد أُنشِئوا هُم أنفُسُهُم من ذُرِّيّةِ قَومٍ غَيرِهِم، وكانوا في زَمانِهِم آتينَ بَعدَ مَن سَبَقَهُم.

«وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ ذَٰلِكَ قَدِيرًا»: قُدرةٌ ثابِتةٌ ومَشيئةٌ مُعَلَّقة

وخُتِمَتِ الآيةُ بِـ«وكانَ اللهُ على ذلك قَديراً». و«ذلك» تُشيرُ إلى الأمرَينِ مَعاً: الإذهابِ والإتيان، و«على» تَجعَلُ القُدرةَ مُستَعلِيةً على مَقدورِها. والقَديرُ من ق-د-ر، والجِذرُ حَدٌّ مَعقودٌ ثابِتٌ يَجري بِه الأمرُ إلى مَبلَغِه، ومنه «القَدْر» مَبلَغُ الشَّيءِ ومِقدارُه، و«القُدرة» أن يُبلَغَ بِالفِعلِ مِقدارُه، و«قَدير» على فَعيلٍ لِمَن ثَبَتَت فيه القُدرةُ ودامَت. فالآيةُ تُعَلِّقُ الإذهابَ والإتيانَ بِـ«إن يَشَأْ»، وتُثبِتُ القُدرةَ عَلَيهِما بِـ«كانَ»: المَشيئةُ هي المُعَلَّقة، والقُدرةُ قائمةٌ لا تَنتَظِرُ شَيئاً.


حَصيلة

تُعَلِّقُ الآيةُ ذَهابَ المُخاطَبينَ ومَجيءَ غَيرِهِم بِمَشيئةِ اللهِ وَحدَها: «إن يَشَأْ»، والمَشيئةُ من ش-ي-أ تَحديدٌ واحِدٌ يُقطَعُ من بَينِ المُمكِناتِ كُلِّها. والإذهابُ من ذ-ه-ب مُضِيٌّ يَخلو بَعدَه المَوضِع، والإتيانُ من أ-ت-ي مَجيءٌ يَبلُغُ غايَتَه، و«آخَرين» من أ-خ-ر أُناسٌ يَجرونَ بَعدَ غَيرِهِم ويُعرَفونَ بِأنَّهُم غَيرُ الذّاهِبين. ويَقَعُ النِّداءُ «أيُّها النّاسُ» بَينَ الفِعلَينِ بِلا «يا»، في المَوضِعِ الوَحيدِ من الكِتابِ الذي جاءَ فيه هذا النِّداءُ بِغَيرِها، فيُسَمّي المُخاطَبينَ بِالاسمِ الذي افتَتَحَت بِه السّورةُ خِطابَها ساعةَ يُذكَرُ ذَهابُهُم. والآيةُ تَأتي بَعدَ ثَلاثِ جُمَلٍ في المِلكِ وبَعدَ «غَنيّاً حَميداً»، وتُختَمُ بِقُدرةٍ ثابِتةٍ بِـ«كانَ» على الأمرَينِ جَميعاً.