النساء · الآية 131

﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ۚ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ ۚ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا

«وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ»: مالِكٌ يَتَقَدَّمُ ما يَملِك

تَفتَتِحُ الآيةُ بِجُملةٍ تُقَدِّمُ المالِكَ على ما يَملِك: «ولِلّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرض». واللّامُ في «لِلّه» لامُ المِلك، ومَجيءُ «لِلّه» في صَدرِ الجُملةِ يَقصُرُ المِلكَ عَلَيه، فما في السَّماواتِ والأرضِ لَه دونَ غَيرِه. و«ما» لَفظٌ مُبهَمٌ يَعُمُّ كُلَّ شَيء، وقد أُعيدَ مَعَ الأرضِ في «وما في الأرض»، فذُكِرَ كُلُّ مَوضِعٍ بِما فيه على حِدَتِه. وتَأتي الجُملةُ عَقِبَ قَولِه في الآيةِ الثَّلاثينَ بَعدَ المِئة يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِّن سَعَتِهِ﴾، فيَتَّصِلُ ذِكرُ المِلكِ بِذِكرِ السَّعةِ التي يُغني مِنها.

وهذه الجُملةُ تَتَرَدَّدُ في هذا المَوضِعِ من السّورةِ أربَعَ مَرّات: مَرّةً في الآيةِ السّادِسةِ والعِشرينَ بَعدَ المِئة، ومَرَّتَينِ في هذه الآية، ومَرّةً في الآيةِ الثّانيةِ والثَّلاثينَ بَعدَ المِئة. ويَتبَعُها في ثَلاثةٍ من هذه المَواضِعِ خِتامٌ يُخالِفُ الآخَرَين: وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا﴾ في السّادِسةِ والعِشرين، و«وكانَ اللهُ غَنيّاً حَميداً» هُنا، و«وكَفى بِاللهِ وَكيلاً» في الثّانيةِ والثَّلاثين. وفي هذه الآيةِ تُحيطُ الجُملةُ بِما بَينَ طَرَفَيها: تَفتَتِحُها، ثُمَّ تَعودُ بِحُروفِها بَعدَ «فإنَّ»، وبَينَ الذِّكرَينِ وَصيّةٌ وشَرط.

«وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ»: وَصيّةٌ واحِدةٌ تَصِلُ السّابِقَ بِاللّاحِق

ثُمَّ يَأتي الخَبَرُ مُؤَكَّداً بِاللّامِ و«قَد»: «ولَقَد وَصَّينا». والوَصيّةُ من و-ص-ي، رَبطٌ مُحكَمٌ يَصِلُ أمراً بِمَن يَحمِلُه ويَمتَدُّ بِه إلى ما بَعدَه، و«وَصّى» و«أوصى» فِعلانِ من هذا الجِذر، وبِالثّاني افتُتِحَت قِسمةُ المَواريثِ في الآيةِ الحادِيةَ عَشْرة: يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾. و«أوتوا» فِعلٌ مَبنِيٌّ لِلمَفعول، فالعِنايةُ فيه بِمَن تَلَقّى الكِتاب، و«مِن قَبلِكُم» تَجعَلُ هؤلاءِ أسبَقَ في الزَّمَنِ من المُخاطَبين.

و«إيّاكُم» ضَميرٌ مَنصوبٌ مُنفَصِلٌ مَعطوفٌ على «الذين»، فالمُخاطَبونَ داخِلونَ تَحتَ «وَصَّينا» نَفسِها بَعدَ ذِكرِ مَن سَبَقَهُم. فالوَصيّةُ واحِدة، والذينَ وُصُّوا بِها فَريقان: الأسبَقُ ثُمَّ اللّاحِق، وما يُطلَبُ من المُخاطَبينَ قد طُلِبَ مِمَّن قَبلَهُم بِالفِعلِ نَفسِه. وهذا ما يَحمِلُه الجِذرُ من الامتِدادِ إلى ما بَعدَه: رَبطٌ عُقِدَ مَعَ الأوَّلينَ ثُمَّ مُدَّ إلى مَن جاءَ بَعدَهُم.

«أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ»: مَضمونُ الوَصيّة

ومَضمونُ الوَصيّةِ «أنِ اتَّقوا الله»، و«أنْ» هُنا تَحتَمِلُ وَجهَين: أن تَكونَ مُفَسِّرةً لِما في «وَصَّينا» من مَعنى القَول، أو أن تَكونَ مَصدَريّةً على تَقديرِ «بِأنِ اتَّقوا»، والمَضمونُ على الوَجهَينِ واحِد. و«اتَّقوا» من و-ق-ي، والجِذرُ صَونٌ يُعقَدُ دونَ الشَّيءِ فيَحولُ بَينَه وبَينَ ما يُصيبُه، و«اتَّقى» على افتَعَلَ يَجعَلُ صاحِبَه يَتَّخِذُ هذا الصَّونَ لِنَفسِه. وبِهذا الفِعلِ افتُتِحَ خِطابُ السّورة: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا﴾، وجاءَ في الآيَتَينِ الثّامِنةِ والعِشرينَ والتّاسِعةِ والعِشرينَ بَعدَ المِئةِ شَرطاً مَعطوفاً على الإحسانِ ثُمَّ على الإصلاح: وَإِن تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا﴾، وَإِن تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا﴾. وهو هُنا مَضمونُ وَصيّةٍ أُعطِيَها الفَريقانِ جَميعاً.

«وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ»: سَترٌ يَبقى بَعدَه المِلكُ على حالِه

ثُمَّ يَأتي الشَّرط: «وإن تَكفُروا». والكُفرُ من ك-ف-ر، سَترٌ يُغلِقُ مَنفَذَ الظُّهورِ ويَستَمِرُّ على ما تَحتَه، والفِعلُ هُنا بِلا مَفعول، وقد وَقَعَ عَقِبَ الوَصيّةِ في مَوضِعِ ما يُقابِلُها. وما بَعدَ الفاءِ هو الجُملةُ التي افتُتِحَت بِها الآيةُ بِحُروفِها، تَسبِقُها «إنَّ»: «فإنَّ لِلّهِ ما في السَّماواتِ وما في الأرض»، وهي جَوابُ الشَّرط، أو تَعليلٌ لِجَوابٍ طُوِيَ يَدُلُّ عَلَيه الكَلام، تَقديرُه: فلَن يَنقُصَ سَترُكُم من مِلكِه شَيئاً. فالشَّرطُ يَفرِضُ سَتراً من المُخاطَبين، وما بَعدَه يُعيدُ ما كانَ قَبلَه: المِلكُ قائمٌ على حالِه. وقد جاءَ هذا الشَّرطُ في مَوضِعٍ آخَرَ من الكِتابِ وخُتِمَ بِالوَصفَينِ اللَّذَينِ تُختَمُ بِهِما هذه الآية: إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ﴾.

«وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا»: غِنىً وحَمدٌ قائمانِ قَبلَ السَّترِ وبَعدَه

وتُختَمُ الآيةُ بِوَصفَين: «غَنيّاً حَميداً». والغَنيُّ من غ-ن-ي، مَن يَحوي في ذاتِه ما يَكفيه فلا يَحتاجُ إلى غَيرِه، وقد جاءَ الجِذرُ في الآيةِ الثَّلاثينَ بَعدَ المِئةِ فِعلاً يُوقِعُه اللهُ بِالاثنَينِ اللَّذَينِ يَتَفَرَّقان: «يُغنِ اللهُ كُلّاً»، وهو هُنا صِفةٌ لِلّهِ نَفسِه، فالذي يُغني غَيرَه غَنيٌّ في ذاتِه. والحَميدُ من ح-م-د، والحَمدُ ثَناءٌ يَخرُجُ خالِصاً ثُمَّ يَثبُتُ على مَن قيلَ فيه، و«حَميد» على فَعيلٍ بِمَعنى المَحمود، مَن ثَبَتَ فيه ما يُحمَدُ عَلَيه. و«كانَ» تُقَدِّمُ الوَصفَينِ على الشَّرطِ كُلِّه، فهُما ثابِتانِ قَبلَ أن يَستُرَ مَن يَستُرُ وبَعدَه: سَترُهُم لا يُحوِجُ اللهَ إلى شَيء، ولا يُذهِبُ شَيئاً مِمّا يُحمَدُ عَلَيه.


حَصيلة

تَبدَأُ الآيةُ بِمِلكِ اللهِ لِما في السَّماواتِ والأرض، وتَعودُ إلَيه بِحُروفِه جَواباً لِلشَّرط، وبَينَ الذِّكرَينِ وَصيّةٌ واحِدةٌ أُعطِيَها الذينَ أوتوا الكِتابَ من قَبلُ ثُمَّ المُخاطَبون: أن يَتَّخِذوا الصَّونَ أمامَ الله. والوَصيّةُ من و-ص-ي رَبطٌ يَصِلُ الأمرَ بِحامِلِه ويَمُدُّه إلى مَن بَعدَه، والتَّقوى من و-ق-ي صَونٌ يَحولُ دونَ ما يُصيب، والكُفرُ من ك-ف-ر سَترٌ يُغلِقُ ما كانَ يَنفَتِح. فإن سَتَرَ المُخاطَبونَ بَقِيَ المِلكُ على حالِه، وبَقِيَ اللهُ غَنيّاً لا يَحتاجُ إلى أحَد، حَميداً ثابِتاً فيه ما يُحمَدُ عَلَيه. والجُملةُ نَفسُها تَتَرَدَّدُ أربَعَ مَرّاتٍ من الآيةِ السّادِسةِ والعِشرينَ بَعدَ المِئةِ إلى الثّانيةِ والثَّلاثين، ويَتبَعُها حَيثُ خُتِمَت وَصفٌ يُناسِبُ ما سَبَقَه.