النساء · الآية 158

﴿بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا

«بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ»: فِعلٌ يُنسَبُ إلى اللهِ في مَوضِعِ فِعلٍ ادَّعَوه

تَتَّصِلُ هذه الآيةُ بِآخِرِ ما قَبلَها: وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾، ثُمَّ تَأتي «بَل»، و«بَل» بَعدَ النَّفيِ تُضرِبُ عمّا نُفِيَ وتُثبِتُ ما بَعدَها في مَوضِعِه، فالذي كانَ في دَعواهُم قَتلاً صارَ في الخَبَرِ رَفعاً. ويَتَبَدَّلُ مَن يُسنَدُ إلَيه الفِعل: كانَ الفِعلُ في دَعواهُم مُسنَداً إلى ضَميرِهِم، «إنّا قَتَلنا»، وصارَ هُنا مُسنَداً إلى اسمِ اللهِ مُصَرَّحاً بِه، «رَفَعَه اللهُ»، فيُقابِلُ فِعلاً نَسَبوه إلى أنفُسِهِم فِعلٌ يُنسَبُ إلى الله. والفِعلُ ماضٍ، فالرَّفعُ خَبَرٌ عن أمرٍ وَقَع، ومَفعولُه ضَميرُ مَن نُفِيَ قَتلُه، فالآيتانِ تَتَكَلَّمانِ عن واحِدٍ في كَلامٍ يَبدَأُ هُناكَ ويَتِمُّ هُنا.

«رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ»: نَقلٌ مُنتَهاه مُسَمّى

والرَّفعُ من ر-ف-ع حَرَكةٌ تَجري فتَشُقُّ لِلمَرفوعِ مَنفَذاً، ثُمَّ تُظهِرُه من مَوضِعِه إلى ما هو أعلى مِنه، فهو نَقلٌ لِلشَّيءِ عن مَكانِه إلى ما فَوقَه. و«إلَيه» تُسَمّي مُنتَهى الرَّفع، وضَميرُها يَعودُ على اللهِ المَذكورِ قَبلَها، فالرّافِعُ هو مَن رُفِعَ إلَيه. وفي آلِ عِمرانَ جاءَ هذا الفِعلُ اسمَ فاعِلٍ في خِطابٍ لِعيسى بِضَميرِ المُتَكَلِّم: وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾، وجاءَ هُنا فِعلاً ماضياً في خَبَرٍ عَنه بِضَميرِ الغائب، فما كانَ هُناكَ قَولاً يُخاطَبُ بِه صارَ هُنا حِكايةً عن أمرٍ تَمّ، والمُنتَهى في المَوضِعَينِ واحِد: «إلَيَّ» هُناك، و«إلَيه» هُنا. وفي هذا المَقطَعِ نَفسِه جاءَ الجِذرُ في الآيةِ الرّابِعةِ والخَمسينَ بَعدَ المِئة: وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ﴾، فهُناكَ رَفعٌ جُعِلَ فَوقَهُم، وهُنا رَفعٌ مُنتَهاه الله.

ويَقَعُ هذا الرَّفعُ في مُقابِلِ ما نُفِيَ في الآيةِ السّابِعةِ والخَمسينَ بَعدَ المِئة: القَتلُ قَطعٌ يُنهي حَياةَ الحَيّ، والصَّلبُ شَدٌّ يُمسِكُ المَصلوبَ مَمدوداً، والرَّفعُ نَقلٌ إلى ما هو أعلى. فالآيةُ تُثبِتُ في ثَلاثِ كَلِماتٍ بَعدَ «بَل» الفِعلَ وفاعِلَه ومُنتَهاه: «رَفَعَه»، و«اللهُ»، و«إلَيه»، وتَضَعُها في مُقابِلِ دَعوى قامَت على فِعلٍ نَسَبَه أصحابُه إلى أنفُسِهِم.

«وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا»: خِتامٌ يُسَمّي مَن رَفَع

وتُختَمُ الآيةُ بِوَصفَينِ لِلهِ يُسَمِّيانِ مَن رَفَع: «وكانَ اللهُ عَزيزاً حَكيماً»، و«كانَ» تُثبِتُ الوَصفَينِ قائمَينِ غَيرَ مَحصورَينِ في زَمَنٍ مَضى. والعِزّةُ من ع-ز-ز صَلابةٌ مُلتَحِمةٌ لا يُنفَذُ فيها ولا تُنال، والعَزيزُ مَن لا يُغلَبُ ولا يُوصَلُ إلَيه، وقد جاءَ في هذه السّورةِ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ في الآيةِ التّاسِعةِ والثَّلاثينَ بَعدَ المِئة. ويَلي هذا الوَصفُ رَفعاً إلى الله، فيَلتَقي الوَصفُ بِالفِعل: مَن رُفِعَ إلَيه صارَ عِندَ مَن لا يُنال.

والحِكمةُ من ح-ك-م إحاطةٌ تُمسِكُ الأمرَ على وَجهِه فلا يَخرُجُ عَنه، والحَكيمُ مَن يَضَعُ ما يَفعَلُه في مَوضِعِه ويُحكِمُه فيه. والوَصفانِ مُقتَرِنانِ في خِتامِ آيَتَينِ أُخرَيَينِ من هذه السّورة: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ في السّادِسةِ والخَمسين، ووَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ في الخامِسةِ والسِّتّينَ بَعدَ المِئة. وهُما هُنا بَعدَ خَبَرٍ عن رَفعٍ جاءَ في مَوضِعِ قَتلٍ ادُّعِي، فالعِزّةُ تُسَمّي مَنعةً لا تَبلُغُها الدَّعوى، والحِكمةُ تُسَمّي أمراً مُمسَكاً على وَجهِه.


حَصيلة

تَتِمُّ بِهذه الآيةِ جُملةٌ بَدَأَت قَبلَها بِـ«وما قَتَلوه يَقيناً»: «بَل» تُضرِبُ عن القَتلِ المُدَّعى وتُثبِتُ في مَوضِعِه رَفعاً من ر-ف-ع، نَقلاً عن المَوضِعِ إلى ما هو أعلى، وتَنسُبُه إلى اللهِ صَريحاً بَعدَ أن كانَ الفِعلُ في دَعواهُم مَنسوباً إلَيهِم، وتُسَمّي مُنتَهاه: «إلَيه». وما كانَ في آلِ عِمرانَ خِطاباً بِاسمِ فاعِلٍ، «ورافِعُكَ إلَيَّ»، يُحكى هُنا ماضياً تَمّ. ثُمَّ تُختَمُ الآيةُ بِالعِزّةِ من ع-ز-ز، صَلابةٍ لا تُنال، وبِالحِكمةِ من ح-ك-م، إمساكٍ لِلأمرِ على وَجهِه، و«كانَ» تُثبِتُهُما، فيَقِفُ الرَّفعُ بَينَ دَعوى قَتلٍ لم يَقَعْ ووَصفَينِ يُسَمِّيانِ مَن رَفَع.