النساء · الآية 159

﴿وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا

«وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ»: عُمومٌ مُؤَكَّدٌ لا يَخرُجُ مِنه أحَد

تَبدَأُ الآيةُ بِـ«إنْ» نافِيةً بِمَعنى «ما»، ثُمَّ تَستَثني بِـ«إلّا»، والمَنفِيُّ مَطويٌّ تَدُلُّ عَلَيه «مِن»: وما من أهلِ الكِتابِ أحَدٌ إلّا لَيُؤمِنَنَّ بِه. فالنَّفيُ يَمُرُّ عَلَيهِم واحِداً واحِداً، والاستِثناءُ يُثبِتُ لِكُلِّ واحِدٍ مِنهُمُ الفِعلَ نَفسَه، فلا يَبقى خارِجَه أحَد. و«أهلُ الكِتاب» الاسمُ الذي افتُتِحَ بِه هذا المَقطَعُ في الآيةِ الثّالِثةِ والخَمسينَ بَعدَ المِئة: يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾، والأهلُ من أ-ه-ل قَومٌ يَختَصّونَ بِحَيِّزٍ يَحوزونَه، فهُم قَومٌ يُنسَبونَ إلى الكِتابِ نِسبةَ السّاكِنِ إلى دارِه، والكِتابُ من ك-ت-ب ما ضُمَّ فأُثبِتَ في مَحَلِّه.

والفِعلُ «لَيُؤمِنَنَّ» في أوَّلِه لامٌ وفي آخِرِه نونٌ مُثَقَّلة، وهُما تَجعَلانِه جَواباً لِقَسَمٍ لم يُذكَرْ لَفظُه، كما في الآيةِ السّابِعةِ والثَّمانين: لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، والفِعلُ الذي تَلحَقُه هذه النّونُ يَتَّجِهُ إلى ما يَأتي. والإيمانُ من أ-م-ن سُكونٌ يُمسَكُ في الباطِنِ ثُمَّ يَنبَعِثُ أماناً إلى الخارِج، و«آمَنَ بِه» أعطاه ثِقَتَه فأمِنَ جانِبَه. وقد جاءَ هذا الفِعلُ في الآيةِ الخامِسةِ والخَمسينَ بَعدَ المِئةِ مَنفِيّاً لا يُستَثنى مِنه إلّا القَليل: فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، ويَأتي هُنا في تَركيبٍ من نَفيٍ و«إلّا» كذلك، غَيرَ أنَّ الاستِثناءَ هُنا يَعُمُّهُم فلا يَبقى مِنهُم أحَدٌ خارِجَه، والفِعلُ مُؤَكَّدٌ بِاللّامِ والنّون.

«بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ»: ضَميرانِ يَتَّسِعُ لَهُما الكَلام

وفي هذا الكَلامِ ضَميرانِ لِلغائب، «بِه» و«مَوتِه»، وكِلاهُما يَحتَمِلُ في العَربيّةِ أكثَرَ من مَرجِع. فضَميرُ «بِه» يَحتَمِلُ أن يَعودَ على عيسى، فيَمضيَ في سِلسِلةِ الضَّمائرِ التي عادَت عَلَيه من «قَتَلوه» إلى «رَفَعَه»، ويَحتَمِلُ أن يَعودَ على اللهِ المُسَمّى مَرَّتَينِ في الآيةِ الثّامِنةِ والخَمسينَ بَعدَ المِئة، وآخِرُ ضَميرٍ بارِزٍ قَبلَه «إلَيه»، وهو لِله. وضَميرُ «مَوتِه» يَحتَمِلُ أن يَعودَ على مَن عادَ عَلَيه «بِه» إذا كانَ عيسى، فيَكونَ الإيمانُ قَبلَ مَوتِ عيسى، ويَحتَمِلُ أن يَعودَ على الواحِدِ من أهلِ الكِتابِ الذي يَدورُ عَلَيه الكَلام، فيَكونَ كُلُّ واحِدٍ مِنهُم مُعطِياً ثِقَتَه قَبلَ مَوتِ نَفسِه.

والآيةُ تَحمِلُ هذه الوُجوهَ كُلَّها، وما يَثبُتُ فيها على كُلِّ وَجهٍ ثَلاثة: أنَّ الإيمانَ آتٍ لا يَتَخَلَّفُ بِما أُكِّدَ بِه الفِعل، وأنَّه يَعُمُّ أهلَ الكِتابِ فلا يَخرُجُ مِنهُم أحَد، وأنَّه واقِعٌ قَبلَ مَوت. والمَوتُ من م-و-ت امتِدادٌ يَطولُ ثُمَّ يَنقَطِعُ عِندَ آخِرِه فيَسكُن، و«قَبلَ» من ق-ب-ل، وهو جِذرٌ يَدورُ على المُواجَهة، ومنه «القُبُل» مُقَدَّمُ الشَّيء، و«قَبلَ» ما يَسبِقُ الشَّيءَ من الزَّمانِ ويَكونُ في وَجهِه. فالإيمانُ مَوضوعٌ في الامتِدادِ ما دامَ جارِياً، قَبلَ أن يَبلُغَ الحَدَّ الذي يَنقَطِعُ عِندَه.

«وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا»: يَومٌ يُقَدَّمُ ذِكرُه وشَهادةٌ تَقَعُ عَلَيهِم

ثُمَّ يَنتَقِلُ الكَلامُ من «قَبلَ مَوتِه» إلى «يَومَ القِيامة»، من حَدٍّ يَنقَطِعُ عِندَه امتِدادٌ إلى يَومٍ يُسَمّى بِقِيامِ مَن فيه، والقِيامةُ من ق-و-م إمساكُ الشَّيءِ مَجموعاً من باطِنِه حتّى يَثبُتَ ويَنتَصِب. ويُقَدَّمُ «يَومَ القِيامةِ» على فِعلِه، فيُعرَفُ وَقتُ الشَّهادةِ قَبلَ أن تُذكَرَ الشَّهادة. و«يَكونُ» من ك-و-ن، حُصولٌ على حالٍ يَستَقِرُّ فيها صاحِبُها، وفاعِلُه ضَميرٌ مُستَتِرٌ يَحتَمِلُ ما احتَمَلَه ضَميرُ «بِه».

والشَّهيدُ من ش-ه-د مَن حَضَرَ فثَبَتَ عِندَه ما أدرَكَ ثُمَّ أخبَرَ بِه، و«عَلَيهِم» تَجعَلُ ما ثَبَتَ عِندَه واقِعاً عَلَيهِم ثَقيلاً. وفي هذه السّورةِ مَشهَدٌ يُؤتى فيه من كُلِّ أُمّةٍ بِشاهِد: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾، في الآيةِ الحادِيةِ والأربَعين. ولا تَرِدُ «عَلَيهِم شَهيداً» في الكِتابِ إلّا في مَوضِعَين: هُنا، وفي المائدةِ على لِسانِ عيسى: وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ﴾، وتُختَمُ تِلكَ الآيةُ بِـوَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، فالشَّهيدُ فيها عيسى ما دامَ فيهِم، واللهُ على كُلِّ شَيء.


حَصيلة

تَنفي الآيةُ ثُمَّ تَستَثني، فتَعُمُّ أهلَ الكِتاب، وهو الاسمُ الذي افتُتِحَ بِه المَقطَع، بِإيمانٍ من أ-م-ن مُؤَكَّدٍ بِاللّامِ والنّون، آتٍ لا يَتَخَلَّف، في تَركيبٍ من نَفيٍ و«إلّا» جاءَ في الآيةِ الخامِسةِ والخَمسينَ بَعدَ المِئة: «فلا يُؤمِنونَ إلّا قَليلاً». وفي «بِه» و«مَوتِه» ضَميرانِ يَتَّسِعُ لَهُما الكَلام: الأوَّلُ لِعيسى أو لِله، والثّاني لِمَن عادَ عَلَيه الأوَّلُ إذا كانَ عيسى، أو لِلواحِدِ من أهلِ الكِتاب، والثّابِتُ على كُلِّ وَجهٍ أنَّ الإيمانَ يَقَعُ قَبلَ أن يَنقَطِعَ امتِدادٌ بِالمَوت، من م-و-ت. ثُمَّ يُقَدَّمُ يَومُ القِيامة، من ق-و-م، يَومٌ يُسَمّى بِالقِيام، ويَكونُ فيه عَلَيهِم شَهيدٌ، من ش-ه-د، حَضَرَ فثَبَتَ عِندَه ما أدرَك. فالآيةُ تَضَعُ إيمانَهُم قَبلَ حَدِّ المَوت، وتَضَعُ الشَّهادةَ عَلَيهِم بَعدَه.