النساء · الآية 157

﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ ۚ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ ۚ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا

«وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا»: قَولٌ يُحسَبُ على قائلِيه

تَبدَأُ الآيةُ بِاسمٍ مَجرور: «وقَولِهِم»، فهي حَلقةٌ في سِلسِلةِ الأسبابِ التي افتُتِحَت في الآيةِ الخامِسةِ والخَمسينَ بَعدَ المِئةِ بِـفَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ﴾، والباءُ هُناكَ لِلسَّبَب، وكُلُّ ما عُطِفَ بَعدُ على مَجرورِها مَجرورٌ مِثلُه. وقد عُدَّ لَهُم قَبلَه قَولان: وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ في الآيةِ الخامِسةِ والخَمسينَ بَعدَ المِئة، ووَقَوْلِهِمْ عَلَىٰ مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا﴾ في السّادِسةِ والخَمسينَ بَعدَ المِئة، ثُمَّ يُعَدُّ هُنا قَولٌ ثالِث، فالثّاني على الأُمّ، والثّالِثُ في الابنِ المَنسوبِ إلَيها. والقَولُ من ق-و-ل كَلِمةٌ تُغادِرُ الفَمَ وتَبقى مَنسوبةً إلى قائلِها، ولِذلك يُحسَبُ هذا القَولُ عَلَيهِم ويُعَدُّ مَعَ ما عُدَّ قَبلَه. ومَقولُهُم مُؤَكَّدٌ بِـ«إنَّ» ومُسنَدٌ إلى ضَميرِهِم: «إنّا قَتَلنا»، فهُم يَنسُبونَ الفِعلَ إلى أنفُسِهِم ويُؤَكِّدونَه. والقَتلُ من ق-ت-ل قَطعٌ شَديدٌ يَبلُغُ تَمامَه، يَفصِلُ الحَيَّ عمّا كانَ مُتَعَلِّقاً بِه من حَياتِه، فدَعواهُم دَعوى فِعلٍ بَلَغَ آخِرَه.

«الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ»: اسمٌ تامٌّ يَقَعُ عَلَيه فِعلٌ مُدَّعىً

ويَقَعُ الفِعلُ المُدَّعى على اسمٍ تامٍّ من أربَعةِ أجزاء: لَقَبٍ، ثُمَّ اسمٍ، ثُمَّ نِسبةٍ إلى الأُمّ، ثُمَّ وَصفٍ بِالرِّسالة. والثَّلاثةُ الأُولى هي الاسمُ الذي بُشِّرَت بِه مَريَمُ في آلِ عِمران: اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾، والأربَعةُ تَعودُ مَرفوعةً في الآيةِ الحادِيةِ والسَّبعينَ بَعدَ المِئةِ من هذه السّورة: إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ﴾، ولا يَجتَمِعُ «المَسيحُ عيسى» في الكِتابِ إلّا في هذه المَواضِعِ الثَّلاثة. وتَأتي الأجزاءُ هُنا مَنصوبةً، يَقَعُ عَلَيها فِعلُهُمُ المُدَّعى. واسمُ عيسى من ع-ي-س، ما يَكونُ في عُمقِ الشَّيءِ ثُمَّ يَظهَرُ نافِذاً من بَينِ ما يُحيطُ بِه، والاسمُ في هذه الآيةِ واقِعٌ في مَوضِعِ مَن ادَّعَوا أنَّ فِعلَهُم بَلَغَه.

و«رَسولَ اللهِ» مَنصوبٌ كما نُصِبَ ما قَبلَه، ويَحتَمِلُ في العَربيّةِ وَجهَين. أن يَكونَ من تَمامِ ما حُكِيَ من قَولِهِم، فيُسَمّونَ مَن يَدَّعونَ قَتلَه بِرِسالَتِه. وأن يَكونَ من الكَلامِ الذي يَحكي قَولَهُم، وَصفاً يُنصَبُ على المَدح، يُوضَعُ في وَسَطِ الدَّعوى فيُسَمّي مَن وَقَعَت عَلَيه بِما هو. وعلى الوَجهَينِ يَقِفُ الوَصفُ بِالرِّسالةِ مُلاصِقاً لِلقَتلِ المُدَّعى، والرَّسولُ من ر-س-ل مَبعوثٌ يَصِلُ بِه ما يَجري من مُرسِلِه إلى مَن أُرسِلَ إلَيهِم، فالفِعلُ الذي ادَّعَوه واقِعٌ في دَعواهُم نَفسِها على حامِلِ رِسالةٍ من الله.

«وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَٰكِن شُبِّهَ لَهُمْ»: فِعلانِ يُرَدّانِ وشَبَهٌ يُثبَتُ مَكانَهُما

ثُمَّ يَنتَقِلُ الكَلامُ من ضَميرِهِم إلى الخَبَرِ عَنهُم: قالوا «قَتَلنا»، فجاءَ الجَوابُ «وما قَتَلوه». وتَتَكَرَّرُ «ما» مَعَ كُلِّ فِعل: «وما قَتَلوه وما صَلَبوه»، فيُنفى كُلُّ فِعلٍ في جُملَتِه قائماً بِنَفسِه. وكانَت دَعواهُم فِعلاً واحِداً، فجاءَ الرَّدُّ على فِعلَين، وبَلَغَ الصَّلبَ الذي لم يَكُن في قَولِهِم. والصَّلبُ من ص-ل-ب، والجِذرُ شِدّةٌ مُمتَدّةٌ مُتَّصِلةُ الأجزاء، ومنه «الصُّلب» عَمودُ الظَّهر. و«صَلَبَه» شَدَّه مَمدوداً على ما يُعَلَّقُ عَلَيه، ويَحتَمِلُ الفِعلُ أن يَكونَ مَأخوذاً من الصُّلبِ نَفسِه. فالفِعلانِ المَنفِيّانِ قَطعٌ يُنهي الحَياةَ وشَدٌّ يُمسِكُ الجِسمَ مَمدوداً، وكِلاهُما واقِعٌ على ضَميرٍ واحِدٍ يَعودُ على المُسَمّى بِأسمائه الأربَعة.

وتَستَدرِكُ «لكِنْ» بَعدَ النَّفيَينِ فتُثبِتُ ما وَقَعَ في مَوضِعِ ما نُفِي: «شُبِّهَ لَهُم». والشَّبَهُ من ش-ب-ه صورةٌ تَنتَشِرُ خارِجاً عن أصلِها حتّى تَخفُتَ الحُدودُ بَينَها وبَينَ غَيرِها فيَلتَبِسا، ومنه «تَشابَهَ الشَّيئان» إذا عَسُرَ الفَصلُ بَينَهُما، كما في إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾. و«شُبِّهَ» مَبنيٌّ لِلمَفعول، و«شَبَّهَ الشَّيءَ بِالشَّيءِ» جَعَلَه شَبيهاً بِه أو أراه كذلك، فالبِناءُ لِلمَفعولِ يَطوي صانِعَ الشَّبَهِ ويُبقي الشَّبَهَ نَفسَه في صَدرِ العِبارة. ولا يَرِدُ الجِذرُ على هذه الصّورةِ في الكِتابِ إلّا في هذا المَوضِع.

وما يُسنَدُ إلَيه «شُبِّهَ» يَحتَمِلُ في العَربيّةِ ثَلاثةَ وُجوه. أن يَقومَ «لَهُم» نَفسُه مَقامَ الفاعِل، فيَكونَ المَعنى أنَّ التَّشبيهَ وَقَعَ لَهُم، كما يُقالُ «خُيِّلَ إلَيه». وأن يَكونَ ضَميراً يَعودُ على مَن يَدُلُّ عَلَيه قَولُهُم «إنّا قَتَلنا»، فهو الذي شُبِّهَ لَهُم. وأن يَكونَ ضَميراً يَعودُ على الأمرِ كُلِّه، أمرِ القَتلِ الذي ادَّعَوه، فهو الذي التَبَسَ عَلَيهِم. واللّامُ في «لَهُم» تَجعَلُ الشَّبَهَ في جِهَتِهِم، واقِعاً لَهُم ومُنتَهِياً إلَيهِم، ثُمَّ تَعودُ «لَهُم» بَعدَ قَليلٍ في «ما لَهُم بِه من عِلم»، فيَجتَمِعُ في الآيةِ ما كانَ لَهُم وما لم يَكُن: لَهُمُ الشَّبَه، ولَيسَ لَهُمُ العِلم. والوُجوهُ الثَّلاثةُ يَحمِلُها اللَّفظ، والثّابِتُ فيها جَميعاً أنَّ الذي حَصَلَ لَهُم شَبَه.

«وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ ۚ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ»: اختِلافٌ يَصيرُ شَكّاً، وعِلمٌ يَخلُفُه ظَنّ

و«الذينَ اختَلَفوا فيه» جَماعةٌ تُعرَفُ بِفِعلِها، والاختِلافُ من خ-ل-ف أن يَذهَبَ كُلُّ واحِدٍ إلى غَيرِ ما ذَهَبَ إلَيه صاحِبُه، وبِهذا الفِعلِ نَفسِه تُختَمُ الآيةُ التي نودِيَ فيها عيسى في آلِ عِمران: فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾. وحالُهُم مُؤَكَّدةٌ مَرَّتَين، بِـ«إنَّ» وبِاللّامِ في «لَفي»، و«في» تَجعَلُ الشَّكَّ ظَرفاً هُم في داخِلِه، و«مِنه» تَرُدُّه إلى ما نَشَأَ عَنه. وضَميرُ «فيه» و«مِنه» يَحتَمِلُ أن يَعودَ عَلَيه هو، وأن يَعودَ على القَتلِ الذي ادُّعِي، والاختِلافُ والشَّكُّ على الوَجهَينِ واقِعانِ في أمرِه. والشَّكُّ من ش-ك-ك، ومنه «شَكَّه بِالرُّمح» إذا أنفَذَه فيه فداخَلَ جِسمَه، والشّاكُّ يَتَداخَلُ عِندَه أمرانِ فلا يَنفَصِلُ أحَدُهُما عن الآخَرِ فيَقطَعَ بِه، فالاختِلافُ الذي فَرَّقَهُم في الخارِجِ صارَ في داخِلِ كُلِّ واحِدٍ مِنهُم تَداخُلاً لا يَنفَكّ.

ثُمَّ يُنفى عَنهُمُ العِلمُ نَفياً يَستَغرِقُ جِنسَه: «ما لَهُم بِه من عِلمٍ»، و«مِن» تُدخِلُ في النَّفيِ كُلَّ ما يُسَمّى عِلماً. ويُستَثنى «اتِّباعَ الظَّنِّ» مَنصوباً، وأظهَرُ ما يُحمَلُ عَلَيه الاستِثناءُ أن يَكونَ مُنقَطِعاً، لِأنَّ اتِّباعَ الظَّنِّ من غَيرِ جِنسِ العِلم، فالمَعنى: لا عِلمَ لَهُم بِه أصلاً، والذي مَعَهُم ظَنٌّ يَتَّبِعونَه. ويَحتَمِلُ أن يَكونَ مُتَّصِلاً إذا أُخِذَ العِلمُ بِمَعنى كُلِّ ما تُدرِكُه النَّفس، فيَكونَ اتِّباعُ الظَّنِّ كُلَّ ما عِندَهُم مِمّا يُسَمّى إدراكاً. وقد جاءَ الأمرانِ في النَّجمِ في جُملَتَين: وَمَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾. والاتِّباعُ من ت-ب-ع سَيرٌ خَلفَ شَيءٍ يَتَقَدَّمُ ثُمَّ لِحاقٌ بِأثَرِه، والظَّنُّ من ظ-ن-ن ما يَستَقِرُّ في الباطِنِ تَحتَ غِطاءٍ لم يُرفَع، فمُتَّبِعُ الظَّنِّ يَمشي خَلفَ شَيءٍ لا يَرى وَجهَه.

«وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا»: رَدٌّ يَعودُ ويُختَمُ بِاليَقين

ويَعودُ النَّفيُ الذي بَدَأَ بِه الرَّدّ: «وما قَتَلوه»، فيُحيطُ النَّفيانِ بِما بَينَهُما من شَبَهٍ وشَكٍّ وظَنّ، ويَزيدُ الثّاني كَلِمةً واحِدة: «يَقيناً». واليَقينُ من ي-ق-ن عِلمٌ يَسري حتّى يَبلُغَ العُمقَ فيَنعَقِدَ فيه ويَستَقِرَّ فلا يَضطَرِب، وهو الطَّرَفُ المُقابِلُ لِكُلِّ ما عُدَّ قَبلَه. ولا يَرِدُ «يَقيناً» مُنَكَّراً مَنصوباً في الكِتابِ إلّا في هذا المَوضِع.

وتَعَلُّقُ «يَقيناً» بِما قَبلَه يَحتَمِلُ ثَلاثةَ وُجوه. أن يَكونَ وَصفاً لِلنَّفيِ نَفسِه، أي أنَّ انتِفاءَ قَتلِه يَقين، فيَقَعُ اليَقينُ في جِهةِ الخَبَرِ في مُقابِلِ الشَّكِّ الذي في جِهَتِهِم. وأن يَكونَ وَصفاً لِلقَتلِ الذي ادَّعَوه، أي ما قَتَلوه قَتلاً هُم على يَقينٍ مِنه، فيَتَّصِلَ آخِرُ الآيةِ بِقَولِه «ما لَهُم بِه من عِلم». وأن يَكونَ القَتلُ هُنا على قَولِ العَرَبِ «قَتَلَ الشَّيءَ عِلماً» إذا بَلَغَ في مَعرِفَتِه غايَتَها، ومنه المَثَلُ «قَتَلَ أرضاً عالِمُها»، ويَعودُ الضَّميرُ على الأمرِ الذي ظَنّوه، أي ما أحاطوا بِه عِلماً يَبلُغُ اليَقين. والوُجوهُ الثَّلاثةُ يَحمِلُها التَّركيب، والثّابِتُ فيها أنَّ آخِرَ كَلِمةٍ في الآيةِ تُسَمّي ما لم يَكُن لَهُم.


حَصيلة

تَحكي الآيةُ قَولاً يُعَدُّ في سِلسِلةِ الأسباب: دَعوى مُؤَكَّدةً بِـ«إنَّ» بِقَتلٍ، من ق-ت-ل، وَقَعَ على المُسَمّى بِأسمائه الأربَعة، المَسيحِ عيسى ابنِ مَريَمَ رَسولِ الله. ثُمَّ تَرُدُّها بِنَفيِ فِعلَين، القَتلِ والصَّلبِ من ص-ل-ب، وتُثبِتُ في مَوضِعِهِما شَبَهاً من ش-ب-ه وَقَعَ لَهُم، يَحتَمِلُ ما يُسنَدُ إلَيه ثَلاثةَ وُجوه. وتَصِفُ الذينَ اختَلَفوا فيه بِشَكٍّ من ش-ك-ك يَتَداخَلُ فيه الأمرانِ فلا يَنفَصِلان، وتَنفي عَنهُمُ العِلمَ كُلَّه، ولا تُبقي مَعَهُم إلّا ظَنّاً من ظ-ن-ن يُتَّبَعُ مُغَطّىً، ثُمَّ تُعيدُ نَفيَ القَتلِ مَختوماً بِـ«يَقيناً» من ي-ق-ن. فالآيةُ تَجمَعُ ألفاظَ ما يَقَعُ في النَّفسِ من شَبَهٍ وشَكٍّ وظَنٍّ وعِلمٍ ويَقين، وتَضَعُ في أوَّلِها دَعوى مُؤَكَّدةً لا عِلمَ وَراءَها، وفي آخِرِها كَلِمةَ اليَقين، فالتَّوكيدُ الذي قامَت عَلَيه الدَّعوى شَيءٌ، واليَقينُ الذي خُتِمَت بِه الآيةُ شَيءٌ آخَر.