النساء · الآية 68

﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا

«وَلَهَدَيْنَاهُمْ»: هِدايةٌ تَأتي في جَوابِ الفِعل

هذه رابِعةُ الثَّمَراتِ المُعَلَّقةِ بِقَولِه في الآيةِ السّادِسةِ والسِّتّين: «ولو أنَّهُم فَعَلوا ما يُوعَظونَ بِه»، وهي: خَيرٌ، وتَثبيتٌ، وأجرٌ عَظيم، ثُمَّ هِداية. والواوُ تَعطِفُ «لَهَدَيناهُم» على «لَآتَيناهُم»، واللّامُ هي لامُ الجَوابِ نَفسُها، فالآيَتانِ جَوابٌ واحِدٌ مَقسومٌ على آيَتَين. والهِدايةُ من ه-د-ي، مُضِيٌّ لَيِّنٌ يَتَقَدَّمُ السّائرَ ويَمتَدُّ بِه في طَريقِه، ومنه «الهادي» المُتَقَدِّمُ الذي يَدُلّ، و«هَداه الطَّريقَ» مَضى بِه فيه ودَلَّه عَلَيه. والعَمَلُ بِالوَعظِ يَسبِقُ الهِدايةَ في تَرتيبِ هذه الآيات، والهِدايةُ تَأتي في جَوابِه.

وتَعَدّى الفِعلُ إلى «صِراطاً» بِنَفسِه، كَما تَعَدّى في الفاتِحة: اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، فالهِدايةُ واقِعةٌ على الطَّريقِ ذاتِه يُمضى بِهِم فيه. وتَعودُ السّورةُ إلى العِبارةِ نَفسِها في الآيةِ الخامِسةِ والسَّبعينَ بَعدَ المِئة: وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾، وهُناكَ سُمِّيَتِ الغايةُ بِـ«إلَيه»، والصِّراطُ هو المَسلَكُ الذي يُفضي إلَيها.

«صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا»: طَريقٌ قائمٌ بِنَفسِه

والصِّراطُ من ص-ر-ط، مَجرىً صُلبٌ مُمسَكٌ يَمتَدُّ ويَنبَسِطُ حتّى يَحمِلَ السّائرينَ فيه، فهو الطَّريقُ المَتينُ الواسِعُ الذي يُسلَكُ فلا يَنهار. والمُستَقيمُ من ق-و-م، على «استَفعَلَ»، ما قامَ مُنتَصِباً مُتَماسِكاً من داخِلِه حتّى استَوى فلا عِوَجَ فيه، و«الاستِقامة» أن يَبلُغَ الشَّيءُ هذا القِيامَ ويَلزَمَه. ووُصِفَ الطَّريقُ بِالاستِقامةِ لِأنَّ ما يَقومُ مُتَماسِكاً من داخِلِه لا يَميلُ بِسالِكِه. وبَينَ «أشَدَّ تَثبيتاً» في الآيةِ السّادِسةِ والسِّتّينَ و«صِراطاً مُستَقيماً» هُنا صِلة: الثَّباتُ لُزومُ المَوضِعِ بِلا تَزَحزُح، والاستِقامةُ قِيامٌ بِلا مَيل، والأوَّلُ ثَباتٌ في المَكان، والثّاني مُضِيٌّ على طَريقٍ لا يَنحَرِف، فكأنَّ الذي ثَبَتَت قَدَمُه يُهدى بَعدَ ذلك إلى المَسير.

وفي الآيةِ وما بَعدَها صَدىً لِلفاتِحة: فيها اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ ثُمَّ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، وهُنا «ولَهَدَيناهُم صِراطاً مُستَقيماً» ثُمَّ في الآيةِ التّالِيةِ «مَعَ الَّذينَ أنعَمَ اللهُ عَلَيهِم»، على التَّرتيبِ نَفسِه. والصِّراطُ هُناكَ مُعَرَّفٌ مَطلوبٌ بِالدُّعاء، وهُنا مُنَكَّرٌ مَعقودٌ بِجَوابِ «لو»، فما يَسأَلُه الدّاعي في الفاتِحةِ تَجعَلُه هذه الآياتُ ثَمَرةً مَعقودةً بِالفِعل.


حَصيلة

تُتِمُّ هذه الآيةُ جَوابَ الشَّرطِ الذي بَدَأَ في الآيةِ السّادِسةِ والسِّتّين، فتُضيفُ إلى الخَيرِ والتَّثبيتِ والأجرِ العَظيمِ هِدايةً إلى صِراطٍ مُستَقيم. والهِدايةُ هُنا واقِعةٌ على الطَّريقِ نَفسِه، طَريقٍ مَتينٍ يَحمِلُ السّائرينَ ويَقومُ مُتَماسِكاً فلا يَميلُ بِهِم، فيَقتَرِنُ ثَباتُ القَدَمِ الذي ذُكِرَ قَبلُ بِاستِقامةِ المَسير. وتَسيرُ الآيةُ وما بَعدَها على تَرتيبِ الفاتِحة: صِراطٌ مُستَقيم، ثُمَّ الذينَ أنعَمَ اللهُ عَلَيهِم، فما يُطلَبُ هُناكَ دُعاءً يَأتي هُنا ثَمَرةً لِلعَمَلِ بِالوَعظ.