النساء · الآية 69

﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا

«وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ»: الطّاعةُ تَعودُ إلى صَدرِ المَقطَع

تَعودُ الآيةُ إلى الجِذرِ الذي افتُتِحَ بِه هذا المَقطَعُ في الآيةِ الرّابِعةِ والسِّتّين: هُناكَ «وما أرسَلنا من رَسولٍ إلّا لِيُطاع»، وهُنا «ومَن يُطِعِ اللهَ والرَّسول»، فالأُولى تَذكُرُ غايةَ الإرسال، والثّانيةُ تَذكُرُ مَن بَلَغَها وأينَ يَنتَهي. والطّاعةُ من ط-و-ع، وهي هُنا انقيادٌ عن طَوعٍ يَسيرُ فيه صاحِبُه على ما رَسَمَه اللهُ والرَّسول، و«مَن» شَرطيّةٌ تَعُمُّ كُلَّ مُطيع. وجُمِعَ اسمُ اللهِ والرَّسولُ تَحتَ فِعلٍ واحِد، فالطّاعةُ واحِدةٌ تَتَّجِهُ إلَيهِما مَعاً، وهو ما تُصَرِّحُ بِه الآيةُ الثّمانون: مَّن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾. و«الرَّسولُ» مُعَرَّفٌ كَما عُرِّفَ في «واستَغفَرَ لَهُمُ الرَّسول»، فهو المُخاطَبُ الذي سُمِّيَ بِوَظيفَتِه في الآيةِ الرّابِعةِ والسِّتّين.

«فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم»: صُحبةٌ في مَوضِعِ النِّعمة

وجَوابُ الشَّرطِ «فأُولئكَ»، جاءَ بِالجَمعِ بَعدَ «مَن» المُفرَدِ في لَفظِه، فالمُطيعونَ يَصيرونَ جَماعةً يُشارُ إلَيها. و«مَع» تَجعَلُ مَكانَهُم صُحبةً لِلذينَ أنعَمَ اللهُ عَلَيهِم، صُحبةً تَحفَظُ لِكُلِّ فَريقٍ اسمَه: فالمُطيعونَ في رُفقةِ هؤلاء، وهُم يُسَمَّونَ بِما سُمّوا بِه، الذينَ أطاعوا. والنِّعمةُ من ن-ع-م، لُطفٌ باطِنٌ يَفيضُ من العُمقِ ثُمَّ يَنضَمُّ إلى صاحِبِه فيُلابِسُه، ومنه «النَّعمة» لينُ العَيشِ ورَخاؤه، و«النِّعمة» ما يُنعَمُ بِه، و«النّاعِم» اللَّيِّن. و«أنعَمَ عَلَيهِم» بِـ«على» تَجعَلُ اللُّطفَ نازِلاً عَلَيهِم من عُلُوٍّ يَغشاهُم.

والعِبارةُ «الذينَ أنعَمَ اللهُ عَلَيهِم» تَلتَقي بِالفاتِحة: صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، وهُناكَ جاءَت بَعدَ اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ كَما جاءَت هُنا بَعدَ «ولَهَدَيناهُم صِراطاً مُستَقيماً». والفِعلُ في الفاتِحةِ مُسنَدٌ إلى المُخاطَب: «أنعَمتَ»، والمُنعَمُ عَلَيهِم هُناكَ لا يُسَمَّونَ بِاسم، وهُنا الفِعلُ مُسنَدٌ إلى اسمِ الله: «أنعَمَ الله»، والمُنعَمُ عَلَيهِم مُسَمَّونَ بِأربَعةِ أسماء. وجاءَتِ العِبارةُ بِلَفظِها في سورةِ مريم: أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ﴾، وهُناكَ وَقَفَت عِندَ النَّبيّينَ وتَبِعَها ذِكرُ أنسابِهِم، وهُنا امتَدَّت إلى ثَلاثةِ أسماءٍ أُخرى.

«مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ»: أربَعةُ أسماءٍ من أربَعةِ جُذور

و«مِن» هُنا تُبَيِّنُ مَن هُمُ المُنعَمُ عَلَيهِم، فتُسَمّيهِم بِأربَعةِ أسماءٍ مَعطوفةٍ بِالواو، لِكُلٍّ مِنها جِذرُه. فالنَّبيّونَ جَمعُ نَبِيّ، من ن-ب-أ وقد خُفِّفَت هَمزَتُه، وهُمُ الذينَ يَحمِلونَ النَّبَأ، الخَبَرَ ذا الشَّأنِ يَبرُزُ من باطِنٍ ثُمَّ يُطلَق. والصِّدّيقونَ جَمعُ صِدّيق، من ص-د-ق، والصِّدقُ صَلابةٌ مَعقودةٌ في العُمقِ يُطابِقُ فيها الظّاهِرُ الباطِن، وبِناءُ «فِعِّيل» يَجعَلُه صِفةً كَثيرةً لازِمة: مَن لا يَفتَرِقُ قَولُه عن فِعلِه، ولا ظاهِرُه عن باطِنِه.

والشُّهَداءُ جَمعُ شَهيد، من ش-ه-د، حُضورٌ يَنبَثُّ فيه الإدراكُ ثُمَّ يَستَقِرُّ ما أُدرِكَ عِندَ الحاضِرِ فيُخبِرُ بِه. وقد جاءَ «الشَّهيدُ» في هذه السّورةِ بِمَعنى الحاضِرِ الذي يَشهَدُ في غَيرِ مَوضِع، كَما في الآيةِ الحادِيةِ والأربَعين: وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾. والصّالِحونَ جَمعُ صالِح، من ص-ل-ح، مَن شُدَّت أجزاءُ أمرِه بَعضُها إلى بَعضٍ حتّى خَلَصَ سَليماً نافِعاً. فالأسماءُ الأربَعةُ صِفاتٌ، لا أنساب: حَملُ النَّبَإ، وصِدقٌ يَستَوي فيه الظّاهِرُ والباطِن، وحُضورٌ يَشهَد، وصَلاحٌ يَتَماسَكُ بِه العَمَل.

«وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا»: رُفقةُ الطَّريق

ثُمَّ تُختَمُ الآيةُ بِمَدحٍ فيه تَعَجُّب: «وحَسُنَ أُولئكَ رَفيقاً». و«حَسُنَ» هُنا فِعلٌ يُمدَحُ بِه ويُتَعَجَّبُ من حُسنِ فاعِلِه، و«أُولئكَ» تُشيرُ إلى الأربَعةِ المُسَمَّين، ويَحتَمِلُ أن تَضُمَّ مَعَهُمُ المُطيعينَ الذينَ صاروا في صُحبَتِهِم. و«رَفيقاً» تَمييزٌ جاءَ مُفرَداً بَعدَ جَمع، وبِناءُ «فَعيل» يَصِفُ الواحِدَ والجَماعة، فيَصدُقُ على كُلِّ واحِدٍ مِنهُم، ويَصدُقُ على جَماعَتِهِم رُفقةً واحِدة.

والرَّفيقُ من ر-ف-ق، لُطفٌ يَمضي مَعَ صاحِبِه ثُمَّ يَنعَقِدُ بَينَهُما رِباطٌ يَلتَئم، ومنه «الرِّفق» لينُ الجانِب، و«المِرفَق» مِفصَلُ الذِّراعِ يُتَّكَأُ عَلَيه، و«الرُّفقة» الجَماعةُ تَصطَحِبُ في السَّفَر. ولا تَرِدُ «رَفيقاً» في الكِتابِ إلّا في هذه الآية، وجاءَ الجِذرُ في البِناءِ نَفسِه، «حَسُنَ» يَتلوهُ تَمييزٌ منه، في الكهف: وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا﴾، وهُناكَ وُصِفَ بِالحُسنِ مَوضِعٌ يُتَّكَأُ فيه، وهُنا وُصِفَ بِه مَن يُرافَق. والرَّفيقُ صاحِبُ الطَّريق، والآيةُ قَبلَها ذَكَرَتِ الطَّريق: «صِراطاً مُستَقيماً»، فالطَّريقُ في تِلكَ الآيةِ والرُّفقةُ في هذه كِلاهُما من أمرِ المَسير.


حَصيلة

تَعودُ الآيةُ إلى الطّاعةِ التي افتُتِحَ بِها المَقطَعُ في الآيةِ الرّابِعةِ والسِّتّين، فتَجمَعُ اللهَ والرَّسولَ تَحتَ فِعلٍ واحِد، وتَضَعُ المُطيعينَ «مَعَ» الذينَ أنعَمَ اللهُ عَلَيهِم، صُحبةً تَحفَظُ لِكُلِّ فَريقٍ اسمَه. ثُمَّ تُسَمّي المُنعَمَ عَلَيهِم بِأربَعِ صِفاتٍ من أربَعةِ جُذور: حَملِ النَّبَإ، والصِّدقِ الذي يَستَوي فيه الظّاهِرُ والباطِن، والحُضورِ الذي يَشهَد، والصَّلاحِ الذي يَتَماسَكُ بِه العَمَل، وتَختِمُ بِمَدحِ هذه الجَماعةِ رُفقةً في الطَّريق. وتَسيرُ الآيةُ مَعَ التي قَبلَها على تَرتيبِ الفاتِحة: صِراطٌ مُستَقيم، ثُمَّ الذينَ أنعَمَ اللهُ عَلَيهِم، والعِبارةُ التي لا تُسَمّي هُناكَ المُنعَمَ عَلَيهِم تَتبَعُها هُنا أسماءٌ أربَعة.